مقدمة
هذه المسألة مسألة طويلة وعظيمة وهي من محارات العقول وإن كانت ليست من محالاتها. وقد لخص الإمام ابن أبي العز شارح الطحاوية كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة تلخيصا جيدا. إن فهم هذه المسألة ليس من فضول العلم، بل هي من أهم المسائل العقدية التي يرتبط فهمها بالرد على معطلة الأسماء والصفات من المعتزلة والماتريدية والأشاعرة. والناظر في كتب شيخ الإسلام ورسائله يجد أنه لا يترك مناسبة إلا ويتكلم في هذه المسألة حتى ملأ مؤلفاته بها.
الفصل الأول: مفهوم تسلسل الحوادث وأهميته
تعريف المسألة وأهميتها
إن القول بتسلسل الحوادث، أو ما يُعرف بـ "حوادث لا أول لها"، لا يعني قدم العالم. بل هو من أقوى الأدلة في الرد على المعطلة كالأشاعرة. وقد احتاج ابن رشد للتطرق لهذه المسألة لنفي تهمة القول بقدم العالم عن بعض الفلاسفة. كما تعرض لها شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر الرافضي والرازي.
إن القول بأن للحوادث بداية يلزم منه تعطيل الله عن صفة الفعل لفترة غير متناهية في الأزل، وهذا يتعارض مع كونه تعالى (فعال لما يريد). بينما القول بحوادث لا أول لها لا يستلزم قِدَم مخلوق معين بذاته مع الله. وبهذا تظهر أهمية المسألة في الرد على من ينفي صفات الأفعال عن الله بحجة أنها حادثة.
"والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له".
- ابن أبي العز
التفريق بين قِدَم النوع وقِدَم العين
من أهم النقاط في هذه المسألة هو التفريق بين "القدم النوعي" و"قدم العين".
- قِدَم العين: يعني وجود مخلوق معين أزلي مع الله، وهذا كفر وباطل.
- قِدَم النوع: يعني أن نوع الخلق قديم، بمعنى أن الله لم يزل يخلق مخلوقاً بعد مخلوق، فكل مخلوق بعينه مسبوق بالعدم، ولكن "نوع" الخلق لم يزل موجوداً. فالفعل الإلهي دائم ومستمر شيئاً بعد شيء.
"وإن قدر أن نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله".
- شيخ الإسلام ابن تيمية
جوهر المسألة عند ابن تيمية
جوهر المسألة عند ابن تيمية يتعلق بقدرة الله الأزلية. فقبل أن يخلق الله أول مخلوق، هل كان قادراً على أن يخلق شيئاً قبله؟ الجواب عند ابن تيمية هو نعم، كان قادراً. وهل هذا يعني أنه خلق بالفعل، الجواب عند ابن تيمية وجماعة من أهل العلم قبله : نعم، وبعض الباحثين المعاصرين ينفي ذلك وينسب إليه نفس ما قالته الأشاعرة دون أن يشعر. والقول بأن الله مكث دهراً في الأزل لا يخلق ثم بدأ الخلق هو قول شنيع. قال شيخ الإسلام: "فإن قال أن نوع الفعل يجب أن يكون مسبوقا بالعدم قيل له من أين لك هذا وليس في الكتاب والسنة ما يدل عليه ولا في المعقول ما يرشد إليه وهذا يستلزم أن يصير الرب قادرا على نوع الفعل بعد أن لم يكن قادرا عليه فإنه إن لم يزل قادرا أمكن وجود المقدور فإن كان المقدور ممتنعا ثم صار ممكنا صار الرب قادرا بعد أن لم يكن وانتقل الفعل من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء ولا تجدده ".
الفصل الثاني: أنواع التسلسل ومذاهب الناس فيه
أقسام التسلسل
ينقسم التسلسل إلى ثلاثة أقسام كما ذكر ابن أبي العز:
- التسلسل الواجب: وهو دوام أفعال الله في الماضي والمستقبل. فالله لم يزل متكلماً وفاعلاً، وهذا من لوازم حياته. قال عثمان بن سعيد الدارمي: "كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله".
- التسلسل الممكن : وهو تسلسل المفعولات والمخلوقات، فكما أنها تستمر في المستقبل، يمكن أن تكون متسلسلة في الماضي. فكل مخلوق له بداية، لكن "نوع" الخلق قديم. والمقصود بالإمكان هنا هو ما يقابل الامتناع، لا عدم الوقوع، كما ظن بعض أهل العصر.
- التسلسل الممتنع: وهو التسلسل في العلل والمؤثرين، كأن يكون لكل مؤثر مؤثر قبله إلى ما لا نهاية، وهذا محال بالإجماع.
مذاهب الناس في التسلسل
اختلف الناس في مسألة دوام الحوادث على ثلاثة أقوال:
- قول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل.
- قول كثير من أهل الكلام والفقهاء: يمكن دوامها في المستقبل (نعيم الجنة) دون الماضي.
- قول أئمة الحديث: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، وهو القول الأظهر صحة.
مذهب الإمام الطحاوي
ظاهر كلام الطحاوي أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، ويجيزه في المستقبل، وهو ما يتوافق مع مذهب الأشاعرة والمتكلمين عامة. لكن شارحه ابن أبي العز رجح الوقوع في الماضي والمستقبل استناداً لكون الله "فعال لما يريد" وأن هذا من كماله الذي لم يزل متصفاً به.
الفصل الثالث: دليل الأعراض ولوازم القول به
أساس دين المتكلمين
جعل المتكلمون (الجهمية والمعتزلة والأشاعرة) أصل دينهم هو إثبات وجود الله عن طريق ما يسمى بـ "دليل حدوث الأجسام" أو "دليل الأعراض". وخلاصة هذا الدليل أن الأجسام لا تخلو من أعراض (كالحركة والسكون) وهذه الأعراض حادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. ولإثبات هذا، قالوا بامتناع حوادث لا أول لها.
اللوازم الباطلة لدليل الأعراض
هذا الدليل المبتدع أدى بهم إلى لوازم باطلة وخطيرة:
- نفي الصفات الفعلية: للهروب من لازم "حلول الحوادث بالذات الإلهية"، نفوا الصفات التي تتعلق بالمشيئة والإرادة (كالكلام، والاستواء، والنزول، والغضب).
- القول بخلق القرآن: اعتبروا الكلام عرضاً، وبما أن الأعراض حادثة، قالوا إن القرآن مخلوق.
- إنكار رؤية الله والعلو: وغيرها من الصفات التي أثبتتها النصوص.
- القول بأن الخلق هو المخلوق: هرباً من إثبات صفة "الخلق" كصفة قائمة بالله عند الفعل، قالوا إن الخلق هو نفسه المخلوق ، فأثبتوا خالقاً بلا صفة خلق.
الرد على استدلالهم بقصة إبراهيم عليه السلام
زعم بعض المتكلمين أن مناظرة إبراهيم -عليه السلام- لقومه في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} دليل على صحة دليلهم، حيث استدل بالأفول (وهو التغير والحركة) على الحدوث. وهذا الاستدلال باطل لعدة وجوه، منها:
- لو كان مراده دليل الأعراض الكلي، لكفاه الاستدلال بالكوكب الأول، ولم يحتج لإعادته مع القمر والشمس.
- قوله في الشمس "هذا أكبر" لا علاقة له بدليل الأعراض الذي يستوي فيه الكبير والصغير.
والحقيقة أن القصة حجة عليهم لا لهم.
الفصل الرابع: الرد على الشبهات المتعلقة بالمسألة
شبهة: القول بالتسلسل يتعارض مع وجود أول مخلوق
هذه الشبهة لا تصح؛ فالأحاديث التي تذكر أول مخلوق (كالعرش أو القلم) تتحدث عن أولية هذا العالم المشاهد، وليس فيها نفي لوجود عوالم ومخلوقات أخرى قبله.
شبهة: القول بالتسلسل يلزم منه قدم العالم
هذه من أشهر الشبهات، والرد عليها هو بالتفريق بين قدم النوع وقدم العين كما سبق بيانه. شيخ الإسلام لا يقول بقدم العالم ولا بقدم شيء معين منه. فكل مخلوق مسبوق بفاعله ومسبوق بالعدم. القول بقدم العالم هو قول الفلاسفة وهو باطل ويستلزم وجود حوادث لا متناهية في آن واحد، وهو محال.
شبهة: مثال التطبيق وبطلان التسلسل في الماضي
استدل المتكلمون على بطلان التسلسل في الماضي بمثال "التطبيق"، حيث يتخيلون سلسلتين غير متناهيتين، إحداهما أزيد من الأخرى، ثم يطبقون حلقة بحلقة، فيلزم من ذلك تساوي الزائد والناقص، وهو محال. وهذا الدليل باطل لأن قوانين ما لا نهاية تختلف عن قوانين المحدود، والاشتراك في عدم التناهي لا يقتضي التساوي في المقدار.
شبهة: عدم الفعل في الأزل لا يلزم منه نفي القدرة
قال بعضهم إن الله كان قادراً على الخلق في الأزل ولكنه لم يفعل، وهذا لا ينفي عنه صفة الخلق. هذا القول يلزم منه لوازم خطيرة، منها أنه يجعل الله معطلاً عن الفعل والجود أزمنة غير متناهية، وهو ما ذم الله به اليهود عندما قالوا "يد الله مغلولة".
الخلاصة
خلاصة القول أن الله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال فعالاً لما يريد. وصفاته الفعلية كالكلام والخلق قديمة النوع، حادثة الآحاد، بمعنى أنه لم يزل متكلماً إذا شاء وخالقاً لما يشاء، يخلق مخلوقاً بعد مخلوق. وهذا القول لا يستلزم قِدَم العالم أو وجود مخلوق أزلي مع الله، بل كل ما سوى الله حادث ومخلوق بعد أن لم يكن.
إن فهم هذه المسألة على وجهها الصحيح الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وأئمة السلف هو السلاح الأقوى في الرد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، وعلى الجهمية والمعطلة الذين ينفون صفات الله الفعلية.