مقدمة وتمهيد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
إن أعظم أمنية وأعلى مطلب يرغب العبد في نيله في الدنيا، أن يكون في عداد العلماء العاملين المقتدين بالسلف الصالح، حتى يُبوءه الله درجة عاليةً في الجنة في صحبة محمد ﷺ وصحبه رضي الله عنهم، وهذا من أعلى المطالب في الآخرة. وإن كان المشاهد أن العلم يرفع منزلة العبد في الدنيا إلا أن ذلك لا يتم لصاحبه إلا إذا عمل بما علم وأخلص النية، والإخلاص عزيز لكن الذي ينبغي التذكير به، أن يعلم الدعاة إلى الله أنه لن تعود للمسلمين عزتهم إلا بالانطلاق من العلم المستنبط من الكتاب والسنة الصحيحة وما كان عليه السلف الصالح من هذه الأمة رضي الله عنهم، ويكون ذلك بالعمل به والدعوة إليه حتى يتوفر في الأمة ذلك القدر الكافي من العلماء، الذين يقومون على تعليم الناس الإسلام المصفى وتربيتهم عليه. فإذا وجد هذا القدر من العلماء العاملين، فحين ذاك سيفرح المؤمنون بنصر الله.
قواعد أساسية للتفقه في الدين
لا يجوز التقليد إلا للضرورة
في صحيح البخاري: قال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ حَمِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (سمعت معاوية خطيبا يقول سمعت النبي ﷺ يقول من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله). والحديث أيضاً عند مسلم.
قال شيخ الإسلام: "ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيراً. فيكون التفقه في الدين فرضا. والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته لا كل ما يعجز عنه من التفقه، ويلزمه ما يقدر عليه".
والتقليد هو العمل بقول أحد بدون حجة. والتقليد أخو الجهل، لأن الله ذم التقليد وفي نفس الوقت ذم الجهل. والأدلة على ذم التقليد كثيرة منها قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) وقوله تعالى (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) وقوله تعالى (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) ومثل هذا في القرآن كثير في ذم التقليد.
تقسيم يحل الإشكال عند الداعين إلى التقليد
الناس من جهة تلقي الأحكام ثلاثة أصناف: مقلد، ومتبع، ومجتهد.
فالمقلد هو العامي الذي لا يفقه الأدلة كحال كثير من الأعراب الأميين فهذا مذهبه مذهب مفتيه كما يذكر ذلك العلماء.
والمتبع هو الذي لا يعمل إلا بالدليل لكنه لم يبلغ درجة الاجتهاد ولا الاستنباط، والمجتهد هو الذي وصل إلى درجة استنباط الأحكام من الأدلة، وهذا لا يحصل لأحد إلا بتوفر شروط وامتناع موانع.
وقد أخطأ من جعل العامي في مقابل طالب العلم الشرعي فمن لم يكن كذلك فهو عامي، فأصبحنا نرى المهندس والطبيب والذكي يعرض عن العمل بما دل عليه الدليل وربما يتتبع رخص العلماء بحجة أنه عامي والواجب في حقه التقليد.
الأصل في المسلم أن يعبد الله على بصيرة
الأصل في كل مسلم أن يكون متبعاً لا مقلداً تحقيقاً لأمر الله سبحانه وتعالى (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ). بل إن اتباع الدليل يتأكد عند الخلاف والتنازع اتباعا لأمر الله سبحانه وتعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
يقول شيخ الإسلام "ليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع".
صور جديدة من التقليد المذموم
التقليد كما بينا آنفاً هو من الأمور غير المحمودة، ومع ذلك فقد يضطر إليه العالم، لذلك قال العلماء التقليد ضرورة، وزيادة في بيان هذه المسألة المهمة أقول: إن التقليد أمر قد تدفع إليه الضرورة، فإذا وقع فيه العبد رغماً عنه، فينبغي له أن يتقي أمرين:
أولهما) التعصب: فالواجب ألا يتعصب أحد إلا لقول النبي ﷺ، وأما من دونه فكما قال الإمام مالك "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر".
تعظيم العالم يجب ألا يقدم على تعظيمنا للدليل
كثير ممن يقع في التعصب لمفتيه، تجدهم يسلون أنفسهم أنهم ما وقعوا فيما وقعوا فيه، إلا بسبب تعظيمهم لأهل العلم وأنهم لم يأخذوا أقوالهم بغير حجة ودليل، لكن ثقتهم في هؤلاء العلماء، وحيث إنهم على تقوى وعلم، تجعلهم يطمئنون إلى كلامهم، ويقدمون قولهم على قول غيرهم. والعجيب أنهم يخصون بهذا الشعور علماء دون علماء، وحيث الأمر كذلك، فإن هذا التعظيم وهذا التوقير ليس من النوع الذي شرعه الله، وإلا لكان الجميع فيه سواء.
التمكّن مع الهمة في طلب العلم
إن مما يعتذر به كثير من الشباب المسلم عن انصرافهم عن طلب العلم، أنهم لا يجدون الهمة في طلبه.
فأقول إن الاشتغال بطلب العلم فضل يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولكن الله قد جعل لكل شيء سببا. فإذا وجد المرء في نفسه حباً ورغبة في طلب العلم، فعليه أن يجاهد نفسه في تحقيق خمس صفات بها سيجعل الله له طريقاً وسبيلا إلى الاتصاف بصفات العالم الرباني، الذي شغله الشاغل طلب العلم والدعوة إليه.
وهذه الصفات الخمس على النحو التالي:
الصفة الأولى: الإخلاص
والإخلاص هو رأس الأمر وبه يحقق الله للعبد خيري الدنيا والآخرة لكن الإخلاص عزيز فينبغي لك أخي الكريم أن تجاهد نفسك وأن تتفقدها بين حين وآخر.
الصفة الثانية: تحري هدي النبي ﷺ
في كل أمر من أمور العبادات، تحقيقاً لقوله تعالى (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).
الصفة الثالثة: تحري الدليل
في كل أمر يتعبد به العبد ربه، حتى يعبد الله على بصيرة متبعاً في ذلك سبيل المؤمنين.
الصفة الرابعة: العمل بالعلم
فعلم بدون عمل كجسد بلا روح، وقد قيل العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
الصفة الخامسة: تبليغ العلم
فإنه ينبغي لطالب العلم أن يكون ديدنه تبليغ ما تعلمه إلى الناس، وخاصة في المواضع التي يتعين فيها التبليغ.
منهج عملي يعين على التفوق في العلم
عدم الالتزام بمنهج علمي صحيح في تحصيل العلم والتمكن فيه هو السبب الأكبر في أننا نجد كثيراً من طلبة العلم لم يحصلوا من العلوم الشرعية ما يؤهلهم ليكونوا علماء، رغم أنهم لا ينقصهم الذكاء والفطنة ولا الحرص والاجتهاد في طلب العلم. وقبل أف نفصل في هذا الباب نذكر أن لابد لطالب العلم أف يحرص عل التدرج في طلب العلم، فلا يبدأ بكبار المسائل قبل صغارها.
طالب العلم والالتزام بمذهب
قبل الولوج في هذه المسألة، لابد أف نشير إلى أف هناك فرقاً بين دراسة مذهب من المذاهب الأربعة المشهورة، وبين الالتزام بالمذهب، أو الانغلاق على الأقوال المذكورة في المذهب. فقد يرى بعض طلبة العلم أف أحسن وسيلة تناسب طالب العلم هي دراسة متن من المتون المشهورة عند العلماء، أو قد يضطر بعض طلبة العلم إلى سلوك هذا الطريق لأن الواقع الذي يعيشه يفرض عليه ذلك، فهذا الأمر في حد ذاته ليس فيه محذور إذا تحرر هذا الدارس من التعصب والانغلاق على الأقوال المذكورة في المذهب وأخذ في الاعتبار الملاحظات التي ذكرناها سابقاً.
لنجتمع ولننبذ التفرق
لنختم هذا الكتاب بهذا الفصل، لعل يكون منبهاً لطالب العلم والشيخ، لما جاء في ثنايا كلامنا من الرد على المخالف والإنكار عليه، فالمراد أف يكون ذلك بالحسنى خاصة في هذا العصر الذي كثر فيه الجهل، حتى أصبح كثير من الناس يجهل ولا يعلم أنه يجهل، ولذلك أسباب كثيرة اختص بها هذا العصر ليس هذا محل ذكرها، لكن العارفين بالواقع يعلمون، أف العذر بالجهل في مسائل العلم الدقيقة، له أولوية أكبر في هذا الوقت.
الاجتماع الذي نعنيه هو الاجتماع على ما كان عليه السلف الصالح لا مجرد الاجتماع. فإذا قيل لك عليك بالجماعة فلا يخبر على بالك جماعة بعينها في هذا الزمان، بل المعنى: عليك بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.