مقدمة المصنف
قال الإمام الدشتي رحمه الله: "فإن سائلاً سألني، وقال: أحب أن تجمع ما جاء في إثبات الحد لله تعالى، ويعني بذلك: حدٌ لا يعلمه إلا الله. وأما من زعم أن لله عز وجل حداً يعلمه غيره؛ فهو ضال، مضل، مبتدع. فأجبتُ إلى ذلك، وجمعتُ في كتابي هذا شيئاً يسيراً من مذهب علماء السلف وأئمتهم، وما روي وصح عنهم، وما احتجوا في ذلك من الكتاب والسنة، وما ذكروه في كتبهم وتصانيفهم".
منهم: الإمام عبدالله بن المبارك، والإمام أبو عبدالله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي ، وأبو عبد الله ابن بطة ، وأبو إسماعيل الأنصاري ، وأبو القاسم بن منده ، وإسماعيل بن الفضل الأصبهاني ....
وهكذا يفضح الله من عاند الحق، واتبع الباطل بالهوى، والرأي، والقياس، وقد قال الله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [سورة الأنعام:111] ، فصح أن من لم يُبَرْهِنْ من الكتاب أو من السنة أو إجماعٍ من الصحابة على صحة قولٍ قاله، أو فعلٍ فعله؛ فليس بصحيح، ولا صادقٍ فيما قال أو فعل، بل افتراءٌ على الله عز وجل، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومَنْ أجهلُ جهلاً، وأسخفُ عقلاً، وأسوأ حالاً، وأضل سبيلاً ممن يسمعُ من هؤلاء رؤساءِ الجهال بلا دلائلَ ولا براهين، ويَرُدُّ الحقَّ الذي صح عن أئمةِ المسلمين وعلمائهم بدلائل وبراهين من الكتاب والسنة!
فهذا نحن نروي عن أئمة المسلمين وعلمائهم، من أصحاب الحديث بأسانيدَ ودلائلَ ننقلُها من كتبهم المعروفة المشهورة عند أئمة المسلمين، أهلِ الحديث المصنفين الثقات المعروفين، والعدولِ الصالحين، فمن أين لهم هذه الحذلقة والفلسفة على أن يَرُدُّوا على الله، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم من أهل الحديث؟! ولا أئمةَ للمسلمين غيرُ أصحاب الحديث.
الباب الأول: إثبات الحد لله تعالى
إن مسألة "الحد" من المسائل التي بين بها أهل السنة مباينة الله تعالى لخلقه، وعلوه على عرشه، خلافاً للجهمية النفاة الذين زعموا أن الله في كل مكان بذاته.
المبحث الأول: معنى الحد
تكلم أهل العلم عن معنى الحد، ومن ذلك: قال الخليل بن أحمد رحمه الله في كتابه «العين»: حد: فصل ما بين كل شيئين حد بينهما، ومنتهى كل شيء حده.
قال عثمان بن سعيد الدارمي-وهو إمام أهل المشرق-: «زعمت الجهميةُ أنْ ليس لله حدٌّ، وإنما يَعنُونَ بهذه الكلمة أن الله تعالى لا شيء، إذ كان معلوماً عند الخلق كلهم أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حدٌّ وصفة، فقولهم: لا حدَّ له أنَّهُ لا شيءَ، وقد قال الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} [الأنعام:19] ، قال: ومذهب علماء السلفِ: أن الله هو الأولُ القديم، وله حدٌّ لا يعلمه غيرُهُ، ولكن ليس لأحد أن يتوهم لحده غايةٌ في نفسه، ولكن عليهم أن يؤمنوا بذلك، ويَكِلُوا عِلْمَ ذلك إلى الله تعالى.
المبحث الثاني: إطلاق الحد عند أهل السنة بين النفي والإثبات
أجمع أهل السنة على إثبات الحد لله تعالى، وورد عن بعضهم إطلاق نفي الحد؛ وإنما أرادوا بهذا النفي معنى صحيحًا يوافق ما أجمعوا عليه، لا ما يريده الجهمية من نفي الحد الذي يعنون به نفي العلو لله تعالى على خلقه.
قال الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني رحمة الله: «تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصول تلك العبارات: أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل بقوله: "ليس لله حدٌّ" لا يحيط علم الخلق به فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحيطُ علم الله بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه: أن الله في كل مكان بذاته فهو أيضاً ضال»
انظر كلام شيخ الإسلام «بيان تلبيس الجهمية» (1/433)
وانظر كلامه كذلك في «درء التعارض» (2/33-36)
نص الكتاب المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم. حدثنا الشيخ، الإمام، العالم، الحافظ، المفتي، موضح المشكلات، أوحد زمانه، سيد الحفاظ، المؤيد بدين الله، الداعي إلى الله، سيف السنة والمسلمين، قامع المبتدعين، ناصر الدين أبو محمد محمود بن أبي القاسم بن بدران بن أيان الأنمي الدشتي، قال: الحمد لله الذي حبب إلي الإسلام والسنة والهدى...