الباب الأول: التعريف والنشأة
يُقدم هذا العرض تعريفًا شاملاً بالمذهب الأشعري، الذي يُنسب إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت 324 هـ).
المراحل الفكرية التي مر بها الأشعري:
نشأ في بداية حياته على فكر المعتزلة وتتلمذ على يد أحد كبار شيوخهم، وهو أبو علي الجُبَّائي. بقي على الاعتزال نحو أربعين سنة، ثم تحول عنه بعد أن تبين له ضعف أصولهم من خلال المناظرات والبحث، ليعلن عن رجوعه إلى مذهب أهل السنة والجماعة وطريقة الإمام أحمد بن حنبل. هذا التحول لم يكن عن طريق رؤى ومنامات كما يذكر البعض، بل كان نتيجة قناعة عقلية وبحث علمي دقيق. بعد هذا التحول الذي جعله قريباً من مذهب أهل السنّة، أصبح الإمام الأشعري من أبرز المدافعين عن عقائد أهل السنة، مستخدمًا الأدوات الكلامية والمنطقية في الرد على المخالفين كالمعتزلة والمجسمة.
المراحل الفكرية التي مر بها الأشعري:
نشأ في بداية حياته على فكر المعتزلة وتتلمذ على يد أحد كبار شيوخهم، وهو أبو علي الجُبَّائي. بقي على الاعتزال نحو أربعين سنة، ثم تحول عنه بعد أن تبين له ضعف أصولهم من خلال المناظرات والبحث، ليعلن عن رجوعه إلى مذهب أهل السنة والجماعة وطريقة الإمام أحمد بن حنبل. هذا التحول لم يكن عن طريق رؤى ومنامات كما يذكر البعض، بل كان نتيجة قناعة عقلية وبحث علمي دقيق. بعد هذا التحول الذي جعله قريباً من مذهب أهل السنّة، أصبح الإمام الأشعري من أبرز المدافعين عن عقائد أهل السنة، مستخدمًا الأدوات الكلامية والمنطقية في الرد على المخالفين كالمعتزلة والمجسمة.
الباب الثاني: أبرز علماء الأشاعرة
انتشر المذهب الأشعري على يد مجموعة من كبار العلماء الذين أسهموا في تنقيحه وتأصيله والدفاع عنه. ومن أبرز هؤلاء على مر العصور:
- القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403 هـ): يُعتبر من أهم منظّري المذهب بعد مؤسسه، وله الفضل في تحريره وتقرير مسائله.
- أبو إسحاق الإسفراييني (ت 418 هـ): من كبار المتكلمين والمناظرين عن المذهب في عصره.
- أبو المعالي الجويني (إمام الحرمين) (ت 478 هـ): أستاذ حجة الإسلام الغزالي، ومن أهم من طوّر المذهب وأوصله إلى مرحلة النضج.
- أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام) (ت 505 هـ): الذي مزج بين علم الكلام والتصوف، وأسهم في انتشار المذهب بشكل واسع في العالم الإسلامي.
- فخر الدين الرازي (ت 606 هـ): صاحب التفسير الكبير "مفاتيح الغيب"، ومن أبرز المتكلمين الذين تعمقوا في المباحث الفلسفية والكلامية.
- العز بن عبد السلام (سلطان العلماء) (ت 660 هـ): اشتهر بمواقفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان من كبار فقهاء الشافعية والأشاعرة وهناك من يشكك في انتسابه إلى الأشاعرة.
- الإمام النووي (ت 676 هـ): محدّث وفقيه شافعي كبير، وصاحب "رياض الصالحين" و"شرح صحيح مسلم"، وهو ممن يعده بعضهم من علماء الأشاعرة والصحيح أنه يخالفهم في كثير من أصولهم كمنهج النظر والاستدلال، وفي أول واجب على المكلف، وفي الإيمان، وفي القرآن والكلام وسيأتي تحرير هذه النسبة لاحقاً.
- ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ): أمير المؤمنين في الحديث وصاحب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، وهو ممن يعده بعضهم من علماء الأشاعرة والصحيح أنه يخالفهم في كثير من أصولهم بل ثبت مايشعر من عباراته أنه يتكلم عن الأشاعرة كمذهب آخر يخالف مذهبه وكلامه عن بعض أئمة المذهب فيه تخطئة لهم وسيأتي تحريد صحة هذه النسبة .
- جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ): العالم الموسوعي الذي ترك مؤلفات في شتى الفنون، وكان على المنهج الأشعري.
الباب الثالث: أهم كتب الأشاعرة
ترك علماء الأشاعرة تراثًا ضخمًا من المؤلفات التي شرحت عقيدتهم ودافعت عنها. وهذه بعض من أهم الكتب التي تمثل المذهب:
- كتب إمام الأشاعرة أبي الحسن الأشعري (ت 324 هـ): ومنها "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع"، و"الإبانة عن أصول الديانة". وفيها كثير مما يخالف اعتقاد الأشاعرة المتأخرين ولذلك تجد كثيراً من الأشاعرة المعاصرين يشكك في نسبتها إليه خاصة أن فيها إثبات لبعض الصفات الفعلية الخبرية وهذا يصادم أعظم أصول الأشاعرة المتأخرين .
- "الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به" و "تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل": كلاهما للقاضي أبي بكر الباقلاني، وتُعد من أمهات الكتب في تقرير عقيدة الأشاعرة.
- "الشامل في أصول الدين" و "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد": كلاهما لإمام الحرمين الجويني.
- "الاقتصاد في الاعتقاد": لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وهو كتاب يلخص العقيدة بأسلوب سهل وموجز.
- "أساس التقديس" و "المحصل": لفخر الدين الرازي، وهي من الكتب العميقة في علم الكلام.
- "المواقف في علم الكلام": لعضد الدين الإيجي، مع شرحه للشريف الجرجاني، ويعتبر من أهم المتون الكلامية المتأخرة.
- "العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية": لإمام الحرمين الجويني.
الباب الرابع: ظهور علم الكلام
يتناول هذا الباب السياق التاريخي والفكري الذي أدى إلى ظهور "علم الكلام" كمنهج للدفاع عن العقائد الإسلامية باستخدام الحجج العقلية والمنطقية. وقد نشأ هذا العلم استجابة للتحديات الفكرية التي طرحتها الفلسفات الأجنبية والفرق الإسلامية المختلفة. والمقصود هنا بيان كيف نشأ المذهب الأشعري في هذا السياق كرد فعل على آراء المعتزلة الذين غلّبوا العقل بشكل مطلق، والمجسمة الذين شبهوا الله بخلقه، محاولاً تقديم موقف وسطي يجمع بين تقديس النصوص الشرعية (النقل) واستخدام الأدلة العقلية (العقل) لتأييدها والدفاع عنها.
تطور المذهب
لم يبق المذهب الأشعري على الحالة التي تركه عليها مؤسسه أبو الحسن الأشعري، بل طرأت عليه تغيرات وتطورات على يد أئمة كبار كالباقلاني والجويني والغزالي والرازي. يرى بعض الباحثين أن هذا التطور كان ابتعاداً عن أصول المؤسس الأولى. تميز المذهب بوجود خلافات وتعدد في الأقوال في مسائل دقيقة، والتي يعتبرها أتباع المذهب نوعاً من الاجتهاد المقبول. من أمثلة هذه الخلافات: مسألة إثبات صفات زائدة لله (كاليدين والوجه)، وتحديد أول واجب على المكلف، وتفسير معنى استواء الله على العرش. ورغم أن بعض علماء الشافعية والمالكية الأوائل انتقدوا المذهب، إلا أنه أصبح مع مرور الزمن هو السائد بين متأخري فقهاء هذين المذهبين، ويرجع ذلك لجهود أئمته في الرد على الفرق الأخرى، وصعوبة تمييز الكثيرين بين ما نقلوه من علوم نافعة وبين ما وافقوا فيه أهل الكلام من أصول. وكان لأبي ذر الهروي دور كبير في نشر المذهب في مكة، مما ساهم في انتشاره الواسع.
الباب الخامس: التوحيد
يُفصّل هذا الباب رؤية الأشاعرة لمفهوم التوحيد، وأقسامه عندهم (توحيد الذات، والصفات، والفعال). يركز على كيفية إثباتهم لوحدانية الله ونفي الشريك. فالتوحيد في الذات يعني أنها غير مركبة أو مجزأة، والتوحيد في الصفات يعني أنه لا شبيه له في صفاته، والتوحيد في الأفعال يعني أنه لا شريك له في الخلق والفعل. ويترتب على توحيد الأفعال أن الله هو الخالق الوحيد لكل شيء في الكون، بما في ذلك أفعال العباد، أما دور الإنسان فهو "الكسب" الذي سيأتي تفصيله وعلاقته بنفي السببية . وبذلك يركز الأشاعرة على توحيد الربوبية (إفراد الله بالخلق والملك والتدبير) كمدخل أساسي مبتعدين عن توحيد الألوهية (إفراده بالعبادة).
توحيد الألوهية عند الأشاعرة
يرى الأشاعرة أن التوحيد هو أن الله واحد في ذاته (لا جزء له)، وواحد في صفاته (لا شبيه له)، وواحد في أفعاله (لا شريك له)، فالتوحيد عندهم هو نفي التثنية أو التعدد، ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي حسب تعبيرهم " نفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة " ومن هذا المعنى فسروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الاختراع وأنكروا بعض الصفات كالوجه واليد والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم. هذا التعريف، بحسب النقاد، يركز بشكل أساسي على توحيد الربوبية (الإقرار بأن الله هو الخالق والرازق)، وهو أمر كان يقر به مشركو قريش ولكنهم لم يدخلوا به في الإسلام. أما جوهر التوحيد عند أهل السنة، وهو توحيد الألوهية (إفراد الله بالعبادة)، فلا يحظى بنفس التركيز في الفكر الأشعري. ورغم أن بعض الأشاعرة قد يفسرون "لا إله إلا الله" بمعناها الصحيح "لا معبود بحق إلا الله"، وبعضهم كالرازي يقول "لامستحق للعباده إلا الله"إلا أن الغالب في كتبهم هو تفسيرها بلازم معناها، أي "لا قادر على الخلق والاختراع إلا الله"، وهذا يعيد التركيز مرة أخرى على توحيد الربوبية بدلاً من توحيد العبادة الذي هو غاية دعوة الرسل.
- ورغم أن التوحيد بأقسامه الثلاثه وإفراد الله بها هو أول واجب على العبيد إلا أن أول واجب عند الأشاعرة فهو النظر أو القصد إلى النظر، وعندهم أن الإنسان إذا بلغ سن التكليف وجب عليه النظر فإذا توصل إلى الإيمان بوجود الله أصبح مؤمنا، واختلفوا فيمن مات قبل النظر أو في أثنائه، أيحكم له بالإسلام أم بالكفر؟!، وأما كلمة التوحيد وهي العروة الوثقى وأول واجب على العبيد النطق والإقرار بها، فليست شرطاً عندهم في أحكام الآخرة لأن الإيمان عندهم مجرد المعرفة والتصديق، بل يشترطونها فقط لإجراء الأحكام الدنيوية . وكذلك لا يعتبرون المعرفة القبلية الفطرية، ويقولون: إن من آمن بالله بغير طريق النظر فإنما هو مقلِّد، ورجح بعضهم كفره .
توحيد الربوبية عند الأشاعرة
يُعرف توحيد الربوبية عند الأشاعرة بأنه توحيد الذات والأفعال، ومرادهم نفي أي تركيب في ذات الله أو وجود شريك له في الفعل والخلق. ورغم اتفاقهم العام مع أهل السنة في إفراد الله بالخلق والتدبير، إلا أن تركيزهم على هذا الجانب جعلهم يعتبرونه غاية التوحيد، والذي عليه أهل السنة أن توحيد الربوبية تحقيقه يستلزم توحيد العبادة الذي يتضمن الربوبية فمن أخل بتوحيد العبادة - وهو توحيد الألوهية والذي بعث الله الرسل لتحقيقه والذي كانت فيه الخصومة - فقد أخل بتوحيد الربوبية في الحقيقة، لكن الأشاعرة لا يولون توحيد العبادة أي أهمية بل إنهم يشترطون في شرك العبادة الإخلال بالربوبية فمن صرف العبادة لغير الله لا يكون مشركاً حتى يخل بالربوبية!! .. وقد أدى هذا التركيز المفرط، إلى وقوع بعض متأخريهم في تناقضات، حيث أثبتوا أنواعاً من التصرف والتدبير لغير الله، كقدرة الأولياء على التأثير في الكون بعد موتهم أو تأثير الكواكب، مما يناقض إقرارهم بأن الله هو المتفرد بالأفعال. هذا الخلل لم يكن موجودًا عند مؤسس المذهب، بل ظهر عند المتأخرين الذين تأثروا بالفلسفة والتصوف.
الباب السادس: الأسماء والصفات
يعد هذا الباب من أهم أبواب العقيدة الأشعرية ومحور الخلاف مع المدارس الأخرى. الصفات عند الأشاعرة إما عقلية أو خبرية، فالعقلية هي التي يثبتها العقل ضرورةً لله، وهي سبع صفات أساسية: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. أما الصفات الخبرية فهي التي وردت في النصوص (القرآن والسنة) وقد يوحي ظاهرها (عندهم) بالتشبيه، مثل اليد والوجه والعين والاستواء. منهج الأشاعرة في هذه الصفات هو صرفها عن ظاهرها وتأويلها بمعانٍ تليق بجلال الله (فاليد تعني القدرة أو النعمة، والاستواء يعني الاستيلاء والملك)، أو تفويض معناهاا إلى الله مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقات. وهذا المنهج مبني على أصلهم في استحالة قيام الحوادث بذات الله، مما يدفعهم لنفي كل صفة قد توهم التغير وبناء على ذلك يقسم الأشاعرة الصفات إلى أربعة أقسام كما سيأتي
اعتقاد أن نصوص الصفات من المتشابه
إن منشأ فتنة الأشاعرة وضلالهم في باب الأسماء والصفات ظنهم أن جميع آيات وأحاديث الصفات من المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، وأنه لا يفهم معناه، مع أنه لا يعلم عن أحد من أئمة السلف جعل أسماء الله وصفاته من المتشابه، ولا أحد من العلماء المتقدمين جعل آيات وأحاديث الصفات كالكلام الأعجمي، وكالحروف المقطعة في أوائل السور، بل نصوصهم صريحة في أنهم يمررون آيات وأحاديث الصفات على ما دلت عليه من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ويفهمون المراد منها، وينكرون تأويلات الجهمية والمعطلة ويبطلونها. وقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسير الآيات المتشابهات خمسة أقوال للسلف، ليس منها قول بأنها آيات الصفات.
الباب السابع: الإيمان
يستعرض هذا الباب تعريف الإيمان عند الأشاعرة، حيث استقر مذهبهم على أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، أما النطق باللسان فهو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية عليه (كزواجه ودفنه في مقابر المسلمين)، والأعمال بالجوارح هي شرط كمال للإيمان وليست جزءاً من حقيقته. بناءً على هذا التعريف، فإن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن التصديق القلبي لا يقبل الزيادة والنقصان. كما أن مرتكب الكبيرة (مثل الزنا أو شرب الخمر) عندهم مؤمنٌ عاصٍ، وليس كافراً كما تقول الخوارج، ولا في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة. إيمانه كامل من حيث حقيقته، لكنه يستحق العقاب على معصيته ما لم يتب أو يشمله عفو الله.
مفهوم الإيمان عند الأشاعرة
تباينت الأقوال المنقولة عن أبي الحسن الأشعري في هذه المسألة. ففي كتابه "الإبانة"، صرّح بأن الإيمان قول وعمل، اتباعًا لمذهب السلف. بينما نقل عنه أتباعه وغيرهم أن الإيمان هو التصديق. ويُرجّح أن قوله الأخير الذي رجع فيه إلى مذهب أهل السنة كان في كتابه "الإبانة"، الذي يُعد من أواخر مؤلفاته. ومع ذلك، فإن المشهور في مذهب الأشاعرة هو أن الإيمان هو التصديق. ومن النقول من كتب الأشاعرة ما يأتي: 1. أبو الحسن الأشعري: ذكر أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص. 2. الباقلاني: يرى أن الإيمان بالله هو التصديق بالقلب ، واستدل على ذلك بالقرآن الكريم وباللغة. وأوضح أن الإيمان في اللغة هو التصديق قبل نزول القرآن وبعثة الرسول، وأن الشريعة لم تغير هذا المعنى اللغوي. 3. الجويني: ذكر أن مذاهب المسلمين اختلفت في حقيقة الإيمان، فذهب الخوارج وكثير من المعتزلة إلى أنه الطاعة، وذهب أصحاب الحديث إلى أنه معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. وذهب بعض القدماء إلى أنه المعرفة بالقلب والإقرار بها. وذهبت الكرامية إلى أنه الإقرار باللسان فقط. أما المذهب المرضي عنده فهو أن حقيقة الإيمان هي التصديق بالله. وللجويني قول آخر بأن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان. ويقول إن الإيمان هو الاستسلام لله بفعل كل طاعة، وهو أعظم خصلة من خصال الإسلام. ويناقش القول بأن "كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً"، موضحًا أنه إذا كان الإيمان هو تصديق القلب فقط، فإن ذلك يلزم منه أن يكون الرجل مسلمًا دون النطق بالشهادتين أو أداء الأعمال، وهو ما يعتبره باطلاً. و الذين نصروا قول الجهمية في مسألة الإيمان يظهرون قول السلف في اللفظ فقط، بينما قولهم في الحقيقة بعيد جداً عن قول السلف. فالأشاعرة، وإن وافقوا الجهمية في جعل الإيمان مجرد تصديق، فإنهم يعظمون الأعمال الصالحة ويجعلونها شرطًا لكمال الإيمان، ويجعلون الأعمال السيئة سببًا لدخول النار. وقد وافق بعض الأشاعرة كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي منصور البغدادي وأبي القاسم القشيري السلف في مسمى الإيمان. والمذهب الأشعري الذي استقر ودونه المتأخرون هو أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول اللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وعمل الجوارح شرط كمال في الإيمان.
الباب الثامن: القدر والعدل الإلهي
يتحدث هذا الباب عن معتقد الأشاعرة في باب القدر، ونظريتهم الشهيرة "الكسب" كمحاولة للتوفيق بين القول بأن الله خالق كل شيء (بما في ذلك أفعال العباد) وبين إثبات مسؤولية العبد عن أفعاله. فالله يخلق الفعل في العبد، والعبد "يكسبه" من خلال مقارنة قدرته وإرادته للفعل المخلوق فيه. هذه المقارنة، رغم أنها لا تؤثر في إيجاد الفعل - عندهم لكونهم ينكرون السببية -، هي مناط التكليف والثواب والعقاب. أما العدل الإلهي، فيرون أن الله لا يُسأل عما يفعل، فكل ما يفعله هو عين العدل، ولا يجب عليه فعل الأصلح لعباده كما تقول المعتزلة. فالعدل هو تصرف المالك في ملكه، والله هو المالك المطلق، فليس في أفعاله ظلم، والظلم هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو مستحيل على الله.
مذهب الأشاعرة في أفعال العباد
يتفق الأشاعرة مع أهل السنة في أن أفعال العباد مخلوقة، لكنهم يختلفون معهم في كون العبد فاعلاً لفعله حقيقةً أم لا. وقد اختلفت آراء أئمة الأشاعرة في تقرير ذلك. اخترع الأشاعرة القول بالكسب واختلفوا في تفسيره، وظنوا أنهم بذلك قد توسطوا بين القدرية والجبرية. إلا أن التفسير المشهور للكسب عندهم يبقيهم في مذهب الجبرية، حيث يعتبرون الإنسان مضطرًا في صورة مختار.
الباب التاسع: مقارنة مع المعتزلة
يعرض هذا الباب أبرز نقاط الافتراق بين الأشاعرة والمعتزلة، والتي تتمحور حول "الأصول الخمسة" للمعتزلة. فبينما يتفقون في استخدام المنهج العقلي، يختلفون في نتائجه:
- التوحيد: المعتزلة نفوا الصفات القديمة الزائدة على الذات، معتبرين إثباتها تعدداً للقدماء. الأشاعرة أثبتوا الصفات كمعانٍ قديمة قائمة بذات الله، لا هي عينه ولا غيره، رداً على المعتزلة.
- العدل: المعتزلة أوجبوا على الله فعل الأصلح للعباد، وقالوا بالتحسين والتقبيح العقليين. الأشاعرة رفضوا ذلك، مؤكدين أن الله لا يجب عليه شيء وأن الحسن والقبح شرعيان.
- الوعد والوعيد: المعتزلة أوجبوا على الله إنفاذ وعيده في مرتكب الكبيرة بتخليده في النار. الأشاعرة قالوا بجواز العفو الإلهي عن مرتكب الكبيرة، وأن وعيده ليس حتماً.
- المنزلة بين المنزلتين: المعتزلة قالوا إن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً، بل في منزلة بينهما. الأشاعرة قالوا إنه مؤمن عاصٍ (فاسق).
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اتفقوا على وجوبه، لكن المعتزلة توسعوا فيه حتى أوجبوا الخروج على الحاكم الظالم، وهو ما قيده الأشاعرة بشروط مشددة.
الباب العاشر: مقارنة مع الماتريدية
يستعرض هذا الباب العلاقة بين المدرستين السنيتين الكبيرتين: الأشاعرة والماتريدية. بالرغم من تقاربهما الشديد في معظم الأصول، توجد خلافات دقيقة بينهما، منها:
- صفة التكوين: يثبتها الماتريدية كصفة أزلية قائمة بذات الله، بينما يراها الأشاعرة من الصفات الفعلية الحادثة المتعلقة بالقدرة والإرادة.
- التحسين والتقبيح: يرى الماتريدية أن العقل يمكنه إدراك حسن وقبح بعض الأفعال، بينما يرى الأشاعرة أن الحسن والقبح لا يُعرفان إلا بالشرع.
- كلام الله: يرى الأشاعرة جواز سماع كلام الله النفسي القديم وهذا يتنافى مع كونه نفسياً لكنهم يفسرون ذلك بكونه معلوماً مفهوماً كما قال الجويني وهذا يفيد أن الخلاف لفظي بينهم وبين الماتريدية، بينما يرى الماتريدية أن موسى -عليه السلام- سمع صوتاً مخلوقاً دالاً على كلام الله.
- تعريف الإيمان: الخلاف دقيق، حيث يميل الماتريدية إلى اعتبار الإقرار باللسان ركناً في الإيمان، بينما يراه الأشاعرة شرطاً لإجراء الأحكام الدنيوية.
الباب الحادي عشر: التحسين والتقبيح
تُعد مسألة التحسين والتقبيح من القضايا الجوهرية التي تباينت فيها آراء الفرق الكلامية، خاصة بين الأشاعرة والمعتزلة. يرى الأشاعرة أن الحسن والقبح في الأفعال شرعيان وليسا عقليين. بمعنى أن الفعل لا يكون حسنًا أو قبيحًا بذاته، بل يكتسب حسنه أو قبحه من أمر الشارع (الله سبحانه وتعالى) ونهيه. فما أمر به الله فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، ولو عكس الأمر لكان كذلك. وهذا يعني أن العقل البشري بمفرده قاصر عن إدراك الأحكام الأخلاقية للأفعال قبل ورود الشرع. على النقيض، يرى المعتزلة أن الحسن والقبح ذاتيان في الأفعال، وأن العقل قادر على إدراك حسن بعضها (كالصدق) وقبح بعضها الآخر (كالكذب) بذاتها، وأن الشرع جاء مؤكدًا وكاشفًا لما يدركه العقل، لكن الثواب والعقاب مشروطاً به.
مذهب الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح
يرفض الأشاعرة أن يكون للعقل قدرة على إدراك الحسن والقبح في الأفعال، ويرون أن هذه المعاني لا تُعرف إلا بالشرع. فالأفعال متساوية قبل ورود الأمر والنهي الشرعيين، ولا تكتسب حكمها إلا بهما. يستدلون على ذلك بأن العقل لا يمكنه أن يدرك طبيعة الأعمال التي تستحق الثواب والعقاب، وأن هذا من اختصاص الشرع وحده. ولو أمر الله بالظلم والكذب لكان حسناً، ولو نهى عن العدل والصدق لكان قبيحاً، لكن الشرع هو الذي بيّن حسن العدل وقبح الظلم. ويرى بعضهم أن مذهبهم هذا يتعارض مع القول أن من أصولهم تقديم العقل على النقل، وفي الحقيقة لا تعارض رغم أنه يصح الاحتجاج عليهم بالتناقض في الظاهر . لكن قولهم في التحسين والتقبيح الشرعيين اضطروا إلى القول به بسبب اعتمادهم لدليل الأعراض فعندهم العرض لا يقوم بعرض .
الباب الثاني عشر: مصادر التشريع
يتفق الأشاعرة، كغيرهم من أهل السنة والجماعة، على أن مصادر التشريع الأساسية هي الكتاب (القرآن الكريم) والسنة النبوية والإجماع والقياس. ومع ذلك، يبرز منهجهم في التعامل مع هذه المصادر، خاصة عند وجود تعارض ظاهري بين نص نقلي ودليل عقلي قطعي. فهم يقدمون الدليل العقلي القطعي (عندهم) ، ثم يلجأون إلى تأويل النص النقلي بما يتوافق مع هذا الدليل العقلي. وهذا التأويل مقيد باللغة وقواعدها. أما في مسائل العقائد، فيرون أن العقل أداة أساسية لفهم النصوص وإثبات الأصول الكبرى كالوجود والوحدانية، ولكنه ليس مصدرًا مستقلاً لإثبات تفاصيل الغيبيات التي لا سبيل لمعرفتها إلا بالوحي.
نظرة الأشاعرة في مصادر التلقي
الأشاعرة، وعلى رأسهم إمامهم الرازي، يضعون قانونًا كليًا للتعامل مع ما يبدو أنه تعارض بين الدلائل العقلية القطعية والظواهر النقلية. هذا القانون هو محاولة كما يدعون لضمان سلامة العقيدة وتنزيه الله تعالى عن النقائص التي قد توهمها بعض ظواهر النصوص إذا أُخذت على ظاهرها دون تأويل.
يؤكد الأشاعرة أن العقل والنقل إذا حدث تعارض ظاهري بينهما، فإنهم يتبعون قانونًا منهجيًا محددًا، كما بيّنه الرازي وغيره من أئمتهم.
فالقانون الكلي كما يقول الرازي في "أساس التقديس":
عندما تقوم البراهين العقلية القطعية على ثبوت شيء، ثم توجد أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فإن الحال لا يخلو من أربعة أمور:
تصديق مقتضى العقل والنقل معًا: هذا محال، لأنه يؤدي إلى تصديق النقيضين، وهو أمر غير ممكن عقلاً.
إبطال مقتضى العقل والنقل معًا: هذا أيضًا محال، لأنه يؤدي إلى تكذيب النقيضين، وهو غير ممكن.
تصديق الظواهر النقلية وتكذيب الدلائل العقلية وهذا باطل . والسبب الجوهري في بطلانه هو أن معرفة صحة الظواهر النقلية (الوحي) لا تتم إلا بالدلائل العقلية. فالعقل هو الذي يثبت وجود الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. فلو جوّزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية، لأصبح العقل متهمًا وغير مقبول القول، وبالتالي لما ثبتت الأصول التي يقوم عليها النقل، وهذا يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا.
الخيار الوحيد المتبقي بعد تجاوز الأقسام الثلاثة الأولى، لا يبقى إلا أن يُقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة. وهذا يستلزم أحد أمرين بخصوص الدلائل النقلية الظاهرية:
إما أن يقال إنها غير صحيحة الثبوت أي أن النقل لم يثبت بطريق قطعي، كأن يكون خبر آحاد في مسائل العقائد، وهو ما لا يحتجون به في العقائد.
أو يقال إنها صحيحة الثبوت، لكن المراد منها غير ظواهرها وهذا هو ما يؤدي إلى التأويل (صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يتفق مع الدليل العقلي القطعي).
أو التفويض إذا لم يجز التأويل أو كان بتعسف، فإنهم يفوضون العلم بها إلى الله تعالى، مع إثبات اللفظ وتنزيه الله عن المعنى الظاهر المحال عقلاً.
ولشيخ الإسلام بحث طويل وعميق في درء تعارض العقل والنقل يبطل فيه هذا القانون وهذه القسمة فراجعه فإنه مهم .
يؤكد الأشاعرة أن العقل والنقل إذا حدث تعارض ظاهري بينهما، فإنهم يتبعون قانونًا منهجيًا محددًا، كما بيّنه الرازي وغيره من أئمتهم.
فالقانون الكلي كما يقول الرازي في "أساس التقديس":
عندما تقوم البراهين العقلية القطعية على ثبوت شيء، ثم توجد أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فإن الحال لا يخلو من أربعة أمور:
تصديق مقتضى العقل والنقل معًا: هذا محال، لأنه يؤدي إلى تصديق النقيضين، وهو أمر غير ممكن عقلاً.
إبطال مقتضى العقل والنقل معًا: هذا أيضًا محال، لأنه يؤدي إلى تكذيب النقيضين، وهو غير ممكن.
تصديق الظواهر النقلية وتكذيب الدلائل العقلية وهذا باطل . والسبب الجوهري في بطلانه هو أن معرفة صحة الظواهر النقلية (الوحي) لا تتم إلا بالدلائل العقلية. فالعقل هو الذي يثبت وجود الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. فلو جوّزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية، لأصبح العقل متهمًا وغير مقبول القول، وبالتالي لما ثبتت الأصول التي يقوم عليها النقل، وهذا يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا.
الخيار الوحيد المتبقي بعد تجاوز الأقسام الثلاثة الأولى، لا يبقى إلا أن يُقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة. وهذا يستلزم أحد أمرين بخصوص الدلائل النقلية الظاهرية:
إما أن يقال إنها غير صحيحة الثبوت أي أن النقل لم يثبت بطريق قطعي، كأن يكون خبر آحاد في مسائل العقائد، وهو ما لا يحتجون به في العقائد.
أو يقال إنها صحيحة الثبوت، لكن المراد منها غير ظواهرها وهذا هو ما يؤدي إلى التأويل (صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يتفق مع الدليل العقلي القطعي).
أو التفويض إذا لم يجز التأويل أو كان بتعسف، فإنهم يفوضون العلم بها إلى الله تعالى، مع إثبات اللفظ وتنزيه الله عن المعنى الظاهر المحال عقلاً.
ولشيخ الإسلام بحث طويل وعميق في درء تعارض العقل والنقل يبطل فيه هذا القانون وهذه القسمة فراجعه فإنه مهم .
الباب الثالث عشر: أول واجب على المكلف
تُعتبر مسألة "أول واجب على المكلف" من المسائل التي ناقشها علماء الكلام بعمق. يرى الأشاعرة أن أول واجب على المكلف (الإنسان البالغ العاقل) هو النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، أو القصد إلى هذا النظر. أي أن الإنسان يجب عليه أن يستخدم عقله للتأمل في الكون والآيات الدالة على وجود الله ووحدانيته وصفاته، ليصل إلى المعرفة اليقينية بالله. هذه المعرفة العقلية عندهم هي أساس الإيمان الصحيح، وهي واجبة بالشرع، لكن طريقها هو العقل. وبهذا يختلفون عن المعتزلة الذين قالوا بوجوب النظر عقلاً، وعن أهل الحديث الذين قالوا إن أول واجب هو التوحيد .
علاقته بدليل الحدوث والأعراض
يرتبط مفهوم "أول واجب على المكلف" عند الأشاعرة والمدارس الكلامية الأخرى التي تبنته بدليل "الاستدلال بالأعراض وحدوث الأجسام" ارتباطًا وثيقًا .
لقد اعتبر الأشاعرة، أن النظر العقلي الذي يؤدي إلى إثبات وجود الله، وتحديداً من خلال دليل الحدوث، هو الواجب الأول على المكلف (الشخص البالغ العاقل المسؤول شرعاً) قبل أي واجبات دينية أخرى. بل بعضهم أوجبه قبل تكبيرة الإحرام من كل صلاة .
فقد جعلوا هذا الشكل المحدد من النظر العقلي والاستدلال العقلي واجباً إلزامياً على كل فرد ليتمكن من إثبات الصانع. بل اعتبروه أول واجب على المكلف. وهذا يعني أنهم اعتقدوا أن الإيمان والدين والمعرفة لا يمكن أن تتحقق، ولا يمكن للمرء أن يعرف الله أو يؤمن برسوله، إلا باتباع هذا المسار. واعتبروا كل من خالف هذه الطريقة لا يصح إسلامه ولو نطق بالشهادتين .
لقد اعتبر الأشاعرة، أن النظر العقلي الذي يؤدي إلى إثبات وجود الله، وتحديداً من خلال دليل الحدوث، هو الواجب الأول على المكلف (الشخص البالغ العاقل المسؤول شرعاً) قبل أي واجبات دينية أخرى. بل بعضهم أوجبه قبل تكبيرة الإحرام من كل صلاة .
فقد جعلوا هذا الشكل المحدد من النظر العقلي والاستدلال العقلي واجباً إلزامياً على كل فرد ليتمكن من إثبات الصانع. بل اعتبروه أول واجب على المكلف. وهذا يعني أنهم اعتقدوا أن الإيمان والدين والمعرفة لا يمكن أن تتحقق، ولا يمكن للمرء أن يعرف الله أو يؤمن برسوله، إلا باتباع هذا المسار. واعتبروا كل من خالف هذه الطريقة لا يصح إسلامه ولو نطق بالشهادتين .
الباب الرابع عشر: النبوات والمعجزات
يؤمن الأشاعرة بضرورة النبوات لإرشاد الخلق، وأن الطريق لإثبات صدق الأنبياء هو المعجزة، وهي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد مدعي النبوة لتأييده وتحدي المنكرين. ويؤكدون على عصمة الأنبياء من الكبائر ومن كل ما يخل بالتبليغ قبل النبوة وبعدها. أما الصغائر، فيجوز وقوعها منهم سهوًا، لكنهم لا يُقَرُّون عليها بل ينبههم الله لتداركها فورًا، وذلك حتى لا يقتدي بهم الناس فيها. هذه العصمة ضرورية لحفظ ثقة الناس في الرسالة التي يحملونها.
مذهب الأشاعرة في المعجزات
تأثر الأشاعرة في نظرتهم للإعجاز بإنكارهم للأسباب والسنن الكونية، مما جعلهم يحصرون دلائل النبوة في المعجزات فقط. وقد عرفوا المعجزة بأنها أمر خارق للعادة، مقترن بالتحدي، يظهر على يد نبي، وسالم من المعارضة. لم يفرقوا بين المعجزات والسحر إلا بأن يتحدى الرسول الكفار بالإتيان بمثل معجزته، وإذا ادعى الساحر النبوة، فإنهم يلتزمون بأنه يجب أن يُسلب قدرته على السحر حتى لا يعارض دليل النبوة.
فالخلاصة :
فالخلاصة :
- أن نفي الأشاعرة للسببية والقول بالكسب أوقعهم في مشكلة كبرى مع دلائل النبوة .. فهم لا يعترفون من دلائل النبوة إلا ما كان خارقا للعادة مقترن بالتحدي يظهر على يد نبي (مدعي للنبوة) ويكون سالما من المعارضة فلما قيل لهم لو أن ساحرا أتى بكل ماسبق وادعى النبوة قالوا فإن الله يسلب قدرته على السحر حتى لا يعارض دليل النبوة وهو المعجزة!!.
الباب الخامس عشر: خبر الآحاد في العقيدة
تُعد مسألة الاحتجاج بخبر الآحاد (الحديث الذي لم يصل إلى درجة التواتر) في مسائل العقيدة من نقاط الخلاف المنهجية. يرى الأشاعرة أن خبر الآحاد يفيد الظن (الاحتمال الراجح) ولا يفيد اليقين (العلم القطعي). وبما أن أصول العقائد يجب أن تُبنى على اليقين، فإنهم لا يعتمدون على خبر الآحاد بمفرده في إثباتها، بل يشترطون أن يكون الدليل قطعياً في ثبوته ودلالته. أما في الأحكام الفقهية والمسائل العملية، فيحتجون به بالاتفاق. هذا الموقف يختلف عن منهج أهل الحديث والسلف الذين يرون أن خبر الآحاد الصحيح الذي تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم واليقين ويجب العمل به في العقائد والأحكام على حد سواء.
موقف الأشاعرة من خبر الآحاد في مسائل العقيدة
قرر الأشاعرة أنه لا يجوز الاستدلال بخبر الآحاد في باب العقائد، لأن أخبار الآحاد ظنية الدلالة، ولا تفيد اليقين، وإنما يجوز الاستدلال بها في الأحكام الفقهية. والصواب أن مسائل الاعتقاد تؤخذ من القرآن الكريم، ومن الحديث الصحيح بقسميه، المتواتر والآحاد. والذي عليه الصحابة ومَن تبعهم بإحسان من العلماء المحققين، أن خبر الواحد المتلقى بالقبول يفيد العلم والعمل حتى في مسائل الاعتقاد. ويستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً بن جبل إلى أهل اليمن، قال له: ((إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى)). وقد ذكر الشافعي أن فقهاء المسلمين لم يختلفوا في تثبيت خبر الواحد. كما أن الخطيب البغدادي أشار إلى أن التابعين ومن بعدهم من الفقهاء عملوا بخبر الواحد في سائر أمصار المسلمين، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار لذلك. وذكر السمعاني أن الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الثقات والأئمة وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم. وأوضح أن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم هو شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار. كما أكد ابن الموصلي على انعقاد الإجماع على قبول هذه الأحاديث وإثبات صفات الرب تعالى بها، وأن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين قد تلقوها بالقبول. وقد تصدى الكوثري لهذه المسألة وألف كتاباً بعنوان (نظرة عابرة) ورد فيه على قاعدة المتكلمين من أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين ولا تثبت بها العقيدة.
الباب السادس عشر: العقل والنقل
تُعد العلاقة بين العقل والنقل (الوحي) من القضايا المحورية في الفكر الأشعري. قاعدتهم الكلية المشهورة هي: "إذا تعارض العقل والنقل، قُدِّم العقل وأُوِّل النقل". وهذا يعني أنه إذا بدا هناك تعارض بين دليل عقلي قطعي ونص شرعي ظني الدلالة، فإنهم يعتمدون على ما أداه العقل ويقومون بتأويل النص الشرعي لصرفه عن ظاهره بما يتوافق مع الدليل العقلي وتنزيه الله. وهذا التأويل إما أن يكون تفصيلياً (تأويل) أو إجمالياً (تفويض). يرى الباحثين أن هذه القاعدة أدت إلى تقديم العقل على النقل في مواضع كثيرة، بينما يرى الأشاعرة أنها ضرورية للجمع بين مقتضيات التنزيه واحترام النصوص الشرعية في آن واحد.
تقديم العقل على النقل واتباع طريقة الفلاسفة
مذهب الأشاعرة في هذه المسألة هو أنهم يقرون بأن الدليل النقلي الصحيح لا يخالف الدليل العقلي القطعي (عندهم) . وإذا وقع ما ظاهره التعارض، فإما أن يكون النص النقلي غير صحيح، أو يكون النص النقلي ظني الدلالة، وفي هذه الحالة يقدمون العقل على النقل الظني ويقومون بتأويله بما يوافق العقل. ويعتبرون هذه القاعدة ضرورية لـ "التوفيق بين العقل والنقل". ويعتبرون نصوص الصفات الخبرية من هذا الباب، فيقومون بتأويلها. ويستندون في ذلك إلى حجج عقلية وفلسفية، مثل قولهم باستحالة قيام الحوادث بذات الله. وهذا هو السبب الرئيسي في تأويلهم للصفات الفعلية. وهذا المنهج هو الذي سلكه متأخرو الأشاعرة، أما متقدموهم فمنهم من كان يفوض علم معاني الصفات لله تعالى مع تنزيهه عن التشبيه. ومن النقولات الدالة على هذا المنهج: قول الجويني: "إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل"، وقوله أيضاً: "الكتاب والسنة إن كان دليلهما ظنيًا فيقدم عليهما القطعي، وإن كان قطعيًا فالغالب أنه لا يعارضه، وإن عارضه أُوِّل بما يوافقه". وقول الرازي: "إن الأدلة العقلية القطعية لا يمكن أن تتعارض مع الأدلة النقلية الصحيحة، وإذا وقع ظاهر التعارض فالواجب تقديم العقل وتأويل النقل".
أما مذهب السلف: فخلاصة مذهب السلف أنهم يرون أن العقل السليم لا يتعارض مع النقل الصحيح، وأن ما ورد من نصوص الصفات يجب إثباته كما ورد على حقيقته، مع تنزيه الله تعالى عن مماثلة خلقه. وأن العقل إذا أُعمل على وجهه الصحيح فإنه يهدي إلى ما جاء به النقل، لا أن يكون حاكماً عليه. ولا يوجد عندهم تعارض بين العقل والنقل الصحيح.
أما مذهب السلف: فخلاصة مذهب السلف أنهم يرون أن العقل السليم لا يتعارض مع النقل الصحيح، وأن ما ورد من نصوص الصفات يجب إثباته كما ورد على حقيقته، مع تنزيه الله تعالى عن مماثلة خلقه. وأن العقل إذا أُعمل على وجهه الصحيح فإنه يهدي إلى ما جاء به النقل، لا أن يكون حاكماً عليه. ولا يوجد عندهم تعارض بين العقل والنقل الصحيح.
الباب السابع عشر: نقد المنهج الأشعري
يقدم هذا الباب نظرة نقدية للمنهج الأشعري من وجهة نظر المدارس الأخرى، يركز النقد بشكل أساسي على أن المنهج الأشعري، بتأثره بعلم الكلام والفلسفة، أسس أصولاً وأدلة عقلية (مثل دليل حلول الحوادث ودليل الأعراض) جعلها حاكمة على النصوص الشرعية، مما أدى إلى تأويل الصفات الخبرية، وهو ما يعتبره الباحثين خروجاً عن طريقة السلف الصالح القائمة على الإثبات والتسليم. كما يُنتقد تعريفهم للإيمان بأنه مجرد تصديق القلب، لما يترتب عليه من إخراج العمل من حقيقة الإيمان. وتُنتقد نظرية "الكسب" باعتبارها غامضة وغير مؤثرة حقيقةً، وتقترب من عقيدة الجبر التي تنفي قدرة العبد، وأمور أخرى سيأتي تفصيلها.
مخالفة المذهب الأشعري لمنهج السلف الصالح
المذهب الأشعري هو مذهب مبتدع في العقيدة، أسسه أبو الحسن الأشعري، الذي كان في بدايته معتزليًا ثم رجع عن الاعتزال واتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، وكلاهما كان متأثرًا بعلم الكلام. لقد تطور المذهب الأشعري بشكل كبير على يد كبار أئمته الذين تأثروا بعلم الكلام والفلسفة، ووقع بينهم خلافات كثيرة، خاصة بين المتقدمين والمتأخرين منهم. ومع ذلك، هناك العديد من أئمة الأشاعرة المشهورين الذين رجعوا إلى منهج السلف. إن أبرز ما خالف فيه جمهور الأشاعرة منهج السلف الصالح هو نفيهم علو الله على عرشه، وصفة الاستواء، واختراعهم قولًا يقول: "إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته". وهذا القول يُعتبر عند السلفيين اعتقادًا لا يُعقل، ويخالف صريح القرآن والسنة.
كما أن الأشاعرة خالفوا السلف في كثير من مسائل العقيدة، ومنها:
كما أن الأشاعرة خالفوا السلف في كثير من مسائل العقيدة، ومنها:
- اعتمادهم على علم الكلام في إثبات العقائد.
- مصدر التلقي عند الأشاعرة هو العقل، وقد صرح أئمتهم بتقديم العقل على النقل عند التعارض، وعلى هذا جرى المعاصرون منهم، ومنهم من صرح بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الكفر وبعضهم قال هو أصل الضلالة.
- بعضهم يرى تقديم الكشف والذوق على النص وتأويل النص ليوافقه.
- اعتمادهم على دليل الحدوث في إثبات وجود الله رغم أن العلم بوجوده تعالى أمر فطري معلوم بالضرورة، والأدلة عليه في الكون والنفس والآثار والآفاق والوحي أكثر من أن تحصر، ففي كل شيء له آية، لكن الأشاعرة لكونهم من المتكلمين أبوا إلا أن بجعلوا دليل الحدوث هو الدليل الوحيد لإثبات وحود الله قالوا الكون حادث، وكل حادث فلا بد له من محدث قديم هو الله وجعلوه أول واجب على العبد وبالغ بعضهم حتى جعل تذكره من الواجبات عند الدخول في الصلاة وسيأتي بيان لقصور هذا الدليل وأنه يستلزم لوازم باطله من أعظمها نفي الصفات.
- تأويلهم (تعطيلهم) لصفات الله ، مثل اليد والوجه والعين والاستواء.
- نفيهم علو الله على عرشه.
- إثباتهم سبع صفات عقلية فقط، وتأويل الباقي وبعضم زادها إلى العشرين لكن بينها تداخل .
- قولهم إن الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب، وأن الأعمال ليست جزءًا من الإيمان.
- قولهم بنظرية الكسب الغامضة، والتي تجعل العبد مضطرًا في صورة مختار.
- سيأتي في النسخة القادمة زيادة بيان لمخالفاتهم ... فانتظرونا
واقع الأشاعرة في العصر الحاضر
في العصر الحديث، يتركز نشاط الأشاعرة على دراسة المذهب عبر المتون والشروح والحواشي في مراكز علمية مرموقة مثل الجامع الأزهر، وجامعة القرويين، وجامع الزيتونة. برز في القرن الماضي علمان من علماء الحنفية الماتريدية من تركيا، وهما محمد زاهد الكوثري ومصطفى صبري، اللذان كان لهما دور كبير في الدعوة إلى تأويل الصفات على منهج الأشاعرة والماتريدية. وتأثر بهما كثير من الطلاب. كما ظهر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ونشط في السنوات الأخيرة أتباع المذهب الأشعري من خلال عقد المؤتمرات مثل مؤتمر الإمام أبي الحسن الأشعري في القاهرة (2010م)، ومؤتمر الشيشان الذي أقيم في جروزني (2016م)، حيث أصدروا بيانًا زعموا فيه أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية، وأهل الحديث المفوضة، وأهل المذاهب الأربعة، والصوفية.
ومن أبرز الأعلام الأشاعرة المعاصرين:
كما أن لهم مؤسسات ومراكز خاصة بهم مثل: دار المصطفى بحضرموت، ومركز أبي الحسن الأشعري للدراسات العقدية بالمغرب، ومؤسسة طابة في أبو ظبي، وغيرها من الجامعات والمراكز والمعاهد ودور النشر التي تعتني بنشر تراث المذهب. يعتمد الخطاب الأشعري المعاصر على ثلاثة مكونات أساسية: الدعوة إلى اتباع المذهب الأشعري أو الماتريدي في الاعتقاد، وتقليد المذاهب الأربعة في الفقه، واتباع الطرق الصوفية في السلوك.
ومن أبرز الأعلام الأشاعرة المعاصرين:
- في مصر: شيخ الأزهر أحمد الطيب، ومفتي مصر السابق علي جمعة، وأسامة الأزهري.
- في الأردن: سعيد فودة وطلابه.
- في اليمن: علي الجفري، وعمر بن حفيظ، وعبد الفتاح قديش اليافعي، وسيف بن علي العصري.
- في تونس: نزار حمادي.
- في ليبيا: جلال الجهاني المقيم في هولندا.
- في الكويت: مبارك خالد المبارك.
- في لبنان: عبد الناصر حدارة.
كما أن لهم مؤسسات ومراكز خاصة بهم مثل: دار المصطفى بحضرموت، ومركز أبي الحسن الأشعري للدراسات العقدية بالمغرب، ومؤسسة طابة في أبو ظبي، وغيرها من الجامعات والمراكز والمعاهد ودور النشر التي تعتني بنشر تراث المذهب. يعتمد الخطاب الأشعري المعاصر على ثلاثة مكونات أساسية: الدعوة إلى اتباع المذهب الأشعري أو الماتريدي في الاعتقاد، وتقليد المذاهب الأربعة في الفقه، واتباع الطرق الصوفية في السلوك.
الباب الثامن عشر: ذكر بعض المؤلفات في الرد على الأشاعرة
بعض المؤلفات في الرد على الأشاعرة
سرد المؤلفات
1- درء تعارض العقل والنقل: وهو كله رد عليهم بالأصالة كما نص في مقدمته، حيث استفتحه بذكر قانونهم الكلي الآتي في [ص 18].
2- بيان تلبيس الجهمية: المسمى نقض التأسيس: رد فيه على إمامهم الثاني " الفخر الرازي ". صاحب تأسيس التقديس أو أساس التقديس.
3- التسعينية: وهي التي كتبها في الأشهر الأخيرة من حياته رحمه الله جواباً عن محاكمة الأشاعرة له .
4- شرح العقيدة الأصفهانية : وهي شرح لعقيدة الشمس الأصفهاني التي جرى فيها على بعض أصول الأشاعرة.
5- الفتوى الحموية: وهي معروفة.
6- الرسالة المدنية : وهي في الجزء السادس من مجموع الفتاوى، وطبعت مفردة بـمصر.
7- النبوات : وهو نقض لكلام الباقلاني خاصة، والأشاعرة عامة في النبوات.
8- الإيمان : وهو نقد للأشاعرة في الإيمان، وذكر بقية المرجئة تبعاً.
9- القاعدة المراكشية: وهي كالبيان لمذهب الإمام مالك وأئمة المالكية في العقيدة، ضد المتأخرين من مالكية المغاربة المائلين إلى مذهب الأشعري، وهي في الجزء الخامس من مجموع الفتاوى وطبعت محققة.
10- المناظرة في العقيدة الواسطية : ألفها في محاكمة الأشاعرة له بسبب الواسطية وهي في الجزء الثالث من مجموع الفتاوى.
11- الاستقامة: كتبه نقضاً لكتاب القشيري الصوفي الأشعري، وبَيَّن فيه أن عقيدة أئمة السلوك المعتبرين هي مذهب السلف، وأن بداية الانحراف في العقيدة عند المنتسبين للتصوف في الجملة إنما جاءت متأخرة في أوائل القرن الخامس حين انتشر مذهب الأشعري.
ولتلميذه ابن القيم رحمه الله في الرد على الأشاعرة كتب منها :
1- الصواعق المرسلة: ناقش فيه أصولهم ومنها موقفهم من النصوص.
2- شفاء العليل : معظمه عنهم.
3- العقيدة النونية : معظمها عنهم.
4- اجتماع الجيوش الإسلامية: كله رد على مذهبهم خصوصاً في نفي العلو.
2- بيان تلبيس الجهمية: المسمى نقض التأسيس: رد فيه على إمامهم الثاني " الفخر الرازي ". صاحب تأسيس التقديس أو أساس التقديس.
3- التسعينية: وهي التي كتبها في الأشهر الأخيرة من حياته رحمه الله جواباً عن محاكمة الأشاعرة له .
4- شرح العقيدة الأصفهانية : وهي شرح لعقيدة الشمس الأصفهاني التي جرى فيها على بعض أصول الأشاعرة.
5- الفتوى الحموية: وهي معروفة.
6- الرسالة المدنية : وهي في الجزء السادس من مجموع الفتاوى، وطبعت مفردة بـمصر.
7- النبوات : وهو نقض لكلام الباقلاني خاصة، والأشاعرة عامة في النبوات.
8- الإيمان : وهو نقد للأشاعرة في الإيمان، وذكر بقية المرجئة تبعاً.
9- القاعدة المراكشية: وهي كالبيان لمذهب الإمام مالك وأئمة المالكية في العقيدة، ضد المتأخرين من مالكية المغاربة المائلين إلى مذهب الأشعري، وهي في الجزء الخامس من مجموع الفتاوى وطبعت محققة.
10- المناظرة في العقيدة الواسطية : ألفها في محاكمة الأشاعرة له بسبب الواسطية وهي في الجزء الثالث من مجموع الفتاوى.
11- الاستقامة: كتبه نقضاً لكتاب القشيري الصوفي الأشعري، وبَيَّن فيه أن عقيدة أئمة السلوك المعتبرين هي مذهب السلف، وأن بداية الانحراف في العقيدة عند المنتسبين للتصوف في الجملة إنما جاءت متأخرة في أوائل القرن الخامس حين انتشر مذهب الأشعري.
ولتلميذه ابن القيم رحمه الله في الرد على الأشاعرة كتب منها :
1- الصواعق المرسلة: ناقش فيه أصولهم ومنها موقفهم من النصوص.
2- شفاء العليل : معظمه عنهم.
3- العقيدة النونية : معظمها عنهم.
4- اجتماع الجيوش الإسلامية: كله رد على مذهبهم خصوصاً في نفي العلو.
الباب التاسع عشر: حكم الأشاعرة عند أتباع الأئمة الأربعة
اعتاد الأشاعرة على مقولة أهل السنة والجماعة وأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية وقد يدخلون في هذا الوصف بعض الحنابلة والحقيقة أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة بل الحقيقة التي يتعمدون إخفاءها عن أتباعهم أن أتباع الأئمة الأربعة من محققي المذاهب قد ذموا الأشاعرة وحذروا من مذهبهم وأنهم مخالفون لإمامهم أبي الحسن الأشعري
أقوالهم
[1] عند المالكية:
روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداد: أنه قال في كتاب الشهادات شرحاً لقول مالك لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء، وقال: ''أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها''.
وروى ابن عبد البر نفسه في "الانتقاء" عن الأئمة الثلاثة "مالك وأبي حنيفة والشافعي" نهيهم عن الكلام وزجر أصحابه وتبديعهم وتعزيرهم. ومثله ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، فماذا يكون الأشاعرة إن لم يكونوا أصحاب كلام؟!
[2] عند الشافعية:
قال الإمام أبو العباس بن سريج الملقب بالشافعي الثاني، وقد كان معاصراً للأشعري: ''لا نقول بتأويل المعتزلة و الأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل''.
قال الإمام أبو الحسن الكرجي من علماء القرن الخامس من الشافعية ما نصه: ''لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرءون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت من عدة من المشايخ والأئمة" وضرب مثالاً بشيخ الشافعية في عصره الإمام أبي حامد الإسفرائيني الملقب "الشافعي الثالث" قائلاً: ''ومعلوم شدة الشيخ على أصحاب الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة، حتى لو وافق قول الأشعري وجهاً لأصحابنا ميَّزَه وقال: "هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلاً عن أصول الدين''.
وبنحو قوله بل أشد منه قال شَيْخ الإِسْلامِ الهروي الأنصاري.
[3] الحنفية:
معلوم أن واضع الطحاوية وشارحها كليهما حنفيان، وكان الإمام الطحاوي معاصراً للأشعري، وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد الإمام أبي حنيفة وأصحابه وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه، وقد نقلوا عن الإمام أنه صرح بكفر من قال: إن الله ليس على العرش أو توقف فيه، وتلميذه أبو يوسف كفر بشراً المريسي، ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش ومعلوم أيضاً أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي.
[4] الحنابلة:
موقف الحنابلة من الأشاعرة أشهر من أن يذكر، فمنذ بدَّع الإمام أحمد " ابن كلاب " وأمر بهجره- وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري -لم يزل الحنابلة معهم في معركة طويلة، وحتى في أيام دولة نظام الملك - التي استطالوا فيها - وبعدها كان الحنابلة يخرجون من بغداد كل واعظ يخلط قصصه بشيء من مذهب الأشاعرة، ولم يكن ابن القشيري إلا واحداً ممن تعرض لذلك، وبسبب انتشار مذهبهم وإجماع علماء الدولة لا سيما الحنابلة على محاربته أصدر الخليفة القادر منشور "الاعتقاد القادري" أوضح فيه العقيدة الواجب على الأمة اعتقادها سنة 433 هـ.
هذا وليس ذم الأشاعرة وتبديعهم خاصاً بأئمة المذاهب المعتبرين بل هو منقول أيضاً عن أئمة السلوك الذين كانوا أقرب إلى السنة واتباع السلف، فقد نقل شَيْخ الإِسْلامِ في الاستقامة كثيراً من أقوالهم في ذلك وأنهم يعتبرون عقيدة الأشعرية منافياً لسلوك طريق الولاية والاستقامة حتى أن عبد القادر الجيلاني لما سئل: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ قال: ''ما كان ولا يكون".
فهذا موجز مختصر جداً لحكم الأشاعرة في المذاهب الأربعة، فما ظنك بحكم رجال الجرح والتعديل ممن يعلم أن مذهب الأشاعرة هو رد خبر الآحاد جملة، وأن في الصحيحين أحاديث موضوعة أدخلها الزنادقة.. وغيرها من الطوام!!
وانظر إن شئت ترجمة إمامهم المتأخر الفخر الرازي في الميزان ولسان الميزان.
فالحكم الصحيح في الأشاعرة أنهم من أهل القبلة ولاشك في ذلك، أما أنهم من أهل السنة فلا، وسيأتي تفصيل ذلك في الموضوعات التالية.
وهاهنا حقيقة كبرى أثبتها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم -كـالجويني وابنه أبي المعالي والرازي والغزالي وغيرهم- وهي حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السلف، وكتب الأشعرية المتعصبة مثل طبقات الشافعية أوردت ذلك في تراجمهم أو بعضه فما دلالة ذلك؟
إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شيء رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ وإلى أي عقيدة رجعوا؟
روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداد: أنه قال في كتاب الشهادات شرحاً لقول مالك لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء، وقال: ''أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها''.
وروى ابن عبد البر نفسه في "الانتقاء" عن الأئمة الثلاثة "مالك وأبي حنيفة والشافعي" نهيهم عن الكلام وزجر أصحابه وتبديعهم وتعزيرهم. ومثله ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، فماذا يكون الأشاعرة إن لم يكونوا أصحاب كلام؟!
[2] عند الشافعية:
قال الإمام أبو العباس بن سريج الملقب بالشافعي الثاني، وقد كان معاصراً للأشعري: ''لا نقول بتأويل المعتزلة و الأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل''.
قال الإمام أبو الحسن الكرجي من علماء القرن الخامس من الشافعية ما نصه: ''لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرءون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت من عدة من المشايخ والأئمة" وضرب مثالاً بشيخ الشافعية في عصره الإمام أبي حامد الإسفرائيني الملقب "الشافعي الثالث" قائلاً: ''ومعلوم شدة الشيخ على أصحاب الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة، حتى لو وافق قول الأشعري وجهاً لأصحابنا ميَّزَه وقال: "هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلاً عن أصول الدين''.
وبنحو قوله بل أشد منه قال شَيْخ الإِسْلامِ الهروي الأنصاري.
[3] الحنفية:
معلوم أن واضع الطحاوية وشارحها كليهما حنفيان، وكان الإمام الطحاوي معاصراً للأشعري، وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد الإمام أبي حنيفة وأصحابه وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه، وقد نقلوا عن الإمام أنه صرح بكفر من قال: إن الله ليس على العرش أو توقف فيه، وتلميذه أبو يوسف كفر بشراً المريسي، ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش ومعلوم أيضاً أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي.
[4] الحنابلة:
موقف الحنابلة من الأشاعرة أشهر من أن يذكر، فمنذ بدَّع الإمام أحمد " ابن كلاب " وأمر بهجره- وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري -لم يزل الحنابلة معهم في معركة طويلة، وحتى في أيام دولة نظام الملك - التي استطالوا فيها - وبعدها كان الحنابلة يخرجون من بغداد كل واعظ يخلط قصصه بشيء من مذهب الأشاعرة، ولم يكن ابن القشيري إلا واحداً ممن تعرض لذلك، وبسبب انتشار مذهبهم وإجماع علماء الدولة لا سيما الحنابلة على محاربته أصدر الخليفة القادر منشور "الاعتقاد القادري" أوضح فيه العقيدة الواجب على الأمة اعتقادها سنة 433 هـ.
هذا وليس ذم الأشاعرة وتبديعهم خاصاً بأئمة المذاهب المعتبرين بل هو منقول أيضاً عن أئمة السلوك الذين كانوا أقرب إلى السنة واتباع السلف، فقد نقل شَيْخ الإِسْلامِ في الاستقامة كثيراً من أقوالهم في ذلك وأنهم يعتبرون عقيدة الأشعرية منافياً لسلوك طريق الولاية والاستقامة حتى أن عبد القادر الجيلاني لما سئل: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ قال: ''ما كان ولا يكون".
فهذا موجز مختصر جداً لحكم الأشاعرة في المذاهب الأربعة، فما ظنك بحكم رجال الجرح والتعديل ممن يعلم أن مذهب الأشاعرة هو رد خبر الآحاد جملة، وأن في الصحيحين أحاديث موضوعة أدخلها الزنادقة.. وغيرها من الطوام!!
وانظر إن شئت ترجمة إمامهم المتأخر الفخر الرازي في الميزان ولسان الميزان.
فالحكم الصحيح في الأشاعرة أنهم من أهل القبلة ولاشك في ذلك، أما أنهم من أهل السنة فلا، وسيأتي تفصيل ذلك في الموضوعات التالية.
وهاهنا حقيقة كبرى أثبتها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم -كـالجويني وابنه أبي المعالي والرازي والغزالي وغيرهم- وهي حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السلف، وكتب الأشعرية المتعصبة مثل طبقات الشافعية أوردت ذلك في تراجمهم أو بعضه فما دلالة ذلك؟
إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شيء رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ وإلى أي عقيدة رجعوا؟
الباب العشرون: رد شبهة أن أكثر الأمة على مذهب الأشاعرة
لقد دأب الأشاعرة على قول أن أكثر أئمة المسلمين على مذهبهم، بل بالغ بعضهم فجعل حتى العوام على مذهب الأشاعرة .
رد الشبهة
دعوى الأشاعرة أن أكثر أئمة المسلمين على مذهبهم دعوى عارية عن الدليل يكذبها الواقع التاريخي، وكتب الأشاعرة نفسها عند تعريف مذهبي السلف والخلف تقول: إن مذهب السلف هو مذهب القرون الثلاثة وبعضها يقول: إنه مذهب القرون الخمسة .فماذا بقي بعد هذه القرون؟
وصدقوا، فالثابت تاريخياً أن مذهب الأشاعرة لم ينتشر إلا في القرن الخامس إثر انتشار كتب الباقلاني.
والناظر في كتب السير يجد أنه ما من فترة وجد فيها بعض كبار الأشاعرة إلا وقد عاصرهم من كبار أهل السنة والجماعة ما يفوق أولئك عدداً وعلماً وفضلاً.
وحسبك ما جمعه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية والذهبي في العلو وقبلهما اللالكائي.
أما عوام المسلمين فالأصل فيهم أنهم على عقيدة السلف؛ لأنها الفطرة التي يولد عليها الإنسان وينشأ عليها المسلم بلا تلقين ولا تعليم [من حيث الأصل] فكل من لم يلقنه المبتدعة بدعتهم ويدرسوه كتبهم فليس من حق أي فرقة أن تدعيه إلا أهل السنة والجماعة.
ومن الأدلة على ذلك الإنسان الذي يدخل في الإسلام حديثاً , فهل تستطيع أي فرقة أن تقول: إنه معتزلي أو أشعري؟
أما نحن فبمجرد إسلامه يصبح واحداً منا.
وإن شئت المثال على عقيدة العوام فاسأل الملايين من المسلمين شرقاً وغرباً هل فيهم من يعتقد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته كما تقول الأشاعرة؟!
أم أنهم كلهم مفطورون على أنه تعالى فوق المخلوقات، وهذه الفطرة تظل ثابتة في قلوبهم حتى وإن وجدوا من يلقنهم في أذهانهم تلك المقولة الموروثة عن فلاسفة اليونان.
وقس على هذا نظرية الكسب، والكلام النفسي، ونفي التأثير، وأشباهها مما سترى في عقائد الأشاعرة
وصدقوا، فالثابت تاريخياً أن مذهب الأشاعرة لم ينتشر إلا في القرن الخامس إثر انتشار كتب الباقلاني.
والناظر في كتب السير يجد أنه ما من فترة وجد فيها بعض كبار الأشاعرة إلا وقد عاصرهم من كبار أهل السنة والجماعة ما يفوق أولئك عدداً وعلماً وفضلاً.
وحسبك ما جمعه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية والذهبي في العلو وقبلهما اللالكائي.
أما عوام المسلمين فالأصل فيهم أنهم على عقيدة السلف؛ لأنها الفطرة التي يولد عليها الإنسان وينشأ عليها المسلم بلا تلقين ولا تعليم [من حيث الأصل] فكل من لم يلقنه المبتدعة بدعتهم ويدرسوه كتبهم فليس من حق أي فرقة أن تدعيه إلا أهل السنة والجماعة.
ومن الأدلة على ذلك الإنسان الذي يدخل في الإسلام حديثاً , فهل تستطيع أي فرقة أن تقول: إنه معتزلي أو أشعري؟
أما نحن فبمجرد إسلامه يصبح واحداً منا.
وإن شئت المثال على عقيدة العوام فاسأل الملايين من المسلمين شرقاً وغرباً هل فيهم من يعتقد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته كما تقول الأشاعرة؟!
أم أنهم كلهم مفطورون على أنه تعالى فوق المخلوقات، وهذه الفطرة تظل ثابتة في قلوبهم حتى وإن وجدوا من يلقنهم في أذهانهم تلك المقولة الموروثة عن فلاسفة اليونان.
وقس على هذا نظرية الكسب، والكلام النفسي، ونفي التأثير، وأشباهها مما سترى في عقائد الأشاعرة
الباب الحادي والعشرون: رد شبهة أن الحافظ ابن حجر من الأشاعرة
لقد دأب الأشاعرة على قول أن أكثر أئمة المسلمين على مذهبهم، ومن هؤلاء الأئمة الحافظ ابن حجر صاحب فتح الباري فلم يثبت عنه أنه انتسب إليهم بل لم ينصح من أراد المذهب الحق أن يكون أشعرياً بل انتقد مذهبهم وشنع على أئمتهم كما سيأتي رغم موافقته لهم في بعض المسائل .
رد الشبهة
ينبغي التنبيه إلى وجوب التفريق بين متكلمي الأشاعرة، كـالرازي والآمدي والشهرستاني والبغدادي والإيجي ونحوهم، وبين من تأثر بمذهبهم عن حسن نية واجتهاد، أو متابعة خاطئة، أو جهل بعلم الكلام، أو لاعتقاده أنه لا تعارض بين ما أخذ منهم وبين النصوص. ومن هذا القسم الحافظ ابن حجر . لابد أولا من بيان موقف ابن حجر من الأشاعرة لكي نبرهن على براءته من المذهب الأشعري : من المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعد أصوله هو الفخر الرازي [606 هـ] ثم خلفه الآمدي [631 هـ] والأرموي [655هـ] فنشرا فكره في الشام ومصر واستوفيا بعض القضايا في المذهب. ونَقْدُ فكر هؤلاء الثلاثة هو الموضوع الرئيسي في كتاب درء التعارض لـشَيْخ الإِسْلامِ. وأعقبهم الإيجي صاحب المواقف - الذي كان معاصراً لـشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية - فألف "المواقف" الذي هو تقنين وتنظيم لفكر الرازي ومدرسته، وهذا الكتاب هو عمدة المذهب قديماً وحديثاً. وقد ترجم الحافظ الذهبي رحمه الله في الميزان وغيره للرازي والآمدي بما هم أهله، ثم جاء ابن السبكي فتعقبه وعنف عليه ظلماً. ثم جاء ابن حجر رحمه الله فألف لسان الميزان فترجم لهما بطبيعة الحال - ناقلاً كلام ابن السبكي ونقده للذهبي .ولم يكن يخفى عليه مكانتهما وإمامتهما في المذهب كما ذكر طرفاً من شنائع الأرموي ضمن ترجمة الرازي. فماذا كان موقف ابن حجر؛ لأن موقفه هو الذي يحدد انتماءه لفكر هؤلاء القوم أو عدمه؟ إن الذي يقرأ ترجمتيهما في اللسان لا يمكن أن يقول: إن ابن حجر على مذهبهما أبداً، كيف وقد أورد نقولاً كثيرة موثقة عن ضلالهما وشنائعهما التي لا يقرها أي مسلم فضلاً عمن هو في علم الحافظ وفضله. على أنه قال في آخر ترجمة الرازي "أوصى بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده". وهذ العبارة التي قد يفهم منها أنها متعاطفة مع الرازي ضد مهاجميه هي شاهد لما نقول نحن هنا، فإن وصية الرازي التي نقلها ابن السبكي نفسه صريحة في رجوعه إلى مذهب السلف. فبعد هذا نسأل: أكان ابن حجر يعتقد أو يؤيد عقيدة الرازي التي في كتبه، أم عقيدته التي في وصيته؟ الإجابة واضحة من عبارته نفسها. . الأمر الآخر: أن الحافظ في الفتح قد نقد الأشاعرة باسمهم الصريح وخالفهم فيما هو من خصائص مذهبهم فمثلاً: خالفهم في الإيمان، وإن كان تقريره لمذهب السلف فيه يحتاج لتحرير. ونقدهم في مسألة المعرفة، وأول واجب على المكلف في أول كتابه وآخره. . كما أنه نقد شيخهم في التأويل "ابن فورك" في تأويلاته التي نقلها عنه في شرح كتاب التوحيد من الفتح، وذم التأويل والمنطق مرجحاً منهج الثلاثة القرون الأولى. كما أنه يخالفهم في الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة وغيرها من الأمور التي لا مجال لتفصيلها هنا. والذي أراه أن الحافظ -رحمه الله- أقرب شيء إلى عقيدة مفوضة الحنابلة كـأبي يعلى ونحوه ممن ذكرهم شَيْخ الإِسْلامِ في درء تعارض العقل والنقل، ووصفهم بمحبة الآثار والتمسك بها لكنهم وافقوا بعض أصول المتكلمين وتابعوهم ظانين صحتها عن حسن نية. وقد كان من الحنابلة من ذهب إلى أبعد من هذا كـابن الجوزي وابن عقيل وابن الزاغوني، ومع ذلك فهؤلاء كانوا أعداء ألدّاء للأشاعرة، ولا يجوز بحال أن يعتبروا أشاعرة فما بالك بأولئك!! والظاهر أن سبب هذا الاشتباه في نسبة بعض العلماء للأشاعرة أو أهل السنة والجماعة هو أن الأشاعرة فرقة كلامية انشقت عن أصلها "المعتزلة" ووافقت السلف في بعض القضايا وتأثرت بمنهج الوحي، في حين أن بعض من هم على مذهب أهل السنة والجماعة في الأصل تأثروا بسبب من الأسباب بأهل الكلام في بعض القضايا وخالفوا فيها مذهب السلف. فإذا نظر الناظر إلى المواضع التي يتفق فيها هؤلاء وهؤلاء ظن أن الطائفتين على مذهب واحد، فهذا التداخل بينهما هو مصدر اللبس. وكثيراً ما تجد في كتب الجرح والتعديل -ومنها لسان الميزان للحافظ ابن حجر- قولهم عن الرجل: إنه وافق المعتزلة في أشياء من مصنفاته أو وافق الخوارج في بعض أقوالهم وهكذا، ومع هذا لا يعتبرونه معتزلياً أو خارجياً. وهذا المنهج إذا طبقناه على الحافظ وعلى النووي وأمثالهما لم يصح اعتبارهم أشاعرة؛ وإنما يقال: وافقوا الأشاعرة في أشياء، مع ضرورة بيان هذه الأشياء واستدراكها عليهم حتى يمكن الاستفادة من كتبهم بلا توجس في موضوعات العقيدة.