تمهيد وفيه حقائق يجهلها بعض أدعياء السلفية
الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهُدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يُحيون بكتاب الله الموتى ، ويُبصِّرون بنور الله أهل العَمَى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هَدَوْه ، فما أحسن أثرهم على الناس ، وأقبح أثر الناس عليهم ، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالِين ، وانتحال المُبطلين ، وتأويل الجاهلين ، الذين عقدوا ألوية البدعة ، وأطلقوا عقال الفتنة ، فهم مختلفون في الكتاب ، مخالفون للكتاب ، مجمعون على مفارقة الكتاب ، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم ، يتكلمون بالمتشابه ، ويخدعون جُهّال الناس بما يُشَبِّهون عليهم ، فنعوذ بالله من فتنة المضلين... أما بعد:
● قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع (فتح المجيد ص344) : " من خالف الكتاب والسنَّة فيجب الرد عليه ، كما قال ابن عباس رضي الله عنه والشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله وذلك مجمع عليه " .اهـ
وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله : " فلا يجوز لأهل العلم السكوت وترك الكلام للفاجر والمبتدع والجاهل فإن هذا غلط عظيم ومن أسباب انتشار الشر والبدع واختفاء الخير وقلته وخفاء السنة . فالواجب على أهل العلم أن يتكلموا بالحق ويدعوا إليه وأن ينكروا الباطل ويحذروا منه ويجب أن يكون ذلك عن علم وبصيرة ".اهـ مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ( 6 / 53)
وفي سنن الدارمي: عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَقَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ قَالَ إِبْلِيسُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَأْتُونَ بَنِي آدَمَ فَقَالُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَلِ الِاسْتِغْفَارِ قَالُوا هَيْهَاتَ ذَاكَ شَيْءٌ قُرِنَ بِالتَّوْحِيدِ قَالَ لَأَبُثَّنَّ فِيهِمْ شَيْئًا لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهُ قَالَ فَبَثَّ فِيهِمُ الْأَهْوَاءَ *
قلت : وأهل الأهواء في هذا العصر كثير نسأل الله العافية ، والرد عليهم وبيان انحراف طريقتهم من أعظم الجهاد كما قال شيخ الإسلام ، وعلماء الإسلام مدعوون لصد العدوان عن @بلاد التوحيد@ - اهل - التي تكالب عليها الأعداء من كل جانب .
● يقول فضيلة الشيخ ( بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء) : " جزيرة العرب هي بارقة الأمل للمسلمين في نشر عقيدة التوحيد لأنها موئل جماعة المسلمين الأول وهي السور الحافظ حول الحرمين الشريفين فينبغي أن تكون كذلك أبداً فلا يسمح بحال بقيام أي نشاط عقدي أو دعوي - مهما كان - تحت مظلة الإسلام مخالفاً منهاج النبوة الذي قامت به جماعة المسلمين الأولى : صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجدده وأعلى مناره الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ، فالجماعة واحدة : جماعة المسلمين تحت علم التوحيد على منهاج النبوة لا تتوازعهم الفرق والأهواء ولا الجماعات والأحزاب . و إن قبول أي دعوة تحت مظلة الإسلام تخالف ذلك هي وسيلة إجهاز على دعوة التوحيد وتفتيت لجماعة المسلمين وإسقاط لامتياز الدعوة وسقوط لجماعتها وكسر لحاجز النفرة من البدع والمبتدعين والفسق والفاسقين . والجماعات إن استشرى تعددها في الجزيرة فهو خطر داهم يهدد واقعها ويهدم مستقبلها ويسلم بيدها ملف الاستعمار لها ، وبه تكون مجمع صراع فكري وعقدي وسلوكي " (خصائص جزيرة العرب ص 85) .
ثم قال ص88 " ولما كانت هذه الجزيرة ، وهذه البقاع المقدسة مصدر الشعاع العالمي الإسلامي ، ومقياس قوة الإسلام وسلطانه ، كان علماء المسلمين وقادتهم – في كل زمان وبلد – شديدي الحساسية لما يقع فيها من حوادث ، ولما يجري فيها من تيارات .... فواجب والله تنظيف هذه الجزيرة من تلكم المناهج الفكرية المبتدعة ، والأهواء الضالة ، وأن تبقى عنوان نصرة للكتاب ، والسنة والسير على هدي سلف الأمة ، حرباً للبدع والأهواء المضلة"
● والأهواء في اللغة جمع هوى ، و الفعل منها هوى يهوي بمعنى سقط ، والهوى اصطلاحاً خلاف الهدى ، قال تعالى {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ](50) سورة القصص [
وقال تعالى {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}](14) سورة محمد .[ .
ومعرفة سبيل المخالفين من أهل البدع والأهواء من أصول هذا الدين ، قال ابن القيم في الفوائد (1/110) " فالعالمون بالله و كتابه و دينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده و الطريق الموصل إلى الهلكة. فهؤلاء أعلم الخلق و أنفعهم للناس و انصحهم لهم و هم الأدلاء الهداة .... فمَن لم يعرف سبيل المجرمين و لم تستـبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد و العلم و العمل و هي من سبيل المجرمين و الكفار و أعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين و دعا إليها و كفَّر مَن خالفها و استحلَّ منه ما حرَّمه الله و رسوله كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية و القدرية و الخوارج و الروافض و أشباههم ممن ابتدع بدعة و دعا إليها و كفَّر مَن خالفها "
● ولقد بُليت الأمَّة في هذا العصر - قبل فترة قصيرة - بعقيدة المرجئة التي كان ينادي بها بعض طلبة العلم ، وحمل رايتها اثنان منهم ، أحدهما في أقصى الشمال والآخر في أقصى الجنوب ، و انساق وراءهما كثير من الرعاع .
حتى أصبح الحال كما قال بعض السلف ، كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو بن مرة في الإرجاء فتهافت الناس فيه .
ثم توالت عليهما ضربات أهل السنة من كل صوب ، وقد كانت لنا والحمد لله مشاركة في دفع هذه البدعة الشنيعة بمؤلف بعنوان : " اجتماع الأئمة على نصرة مذهب أهل السنَّة " راجعه وقدم له إمام من أئمة أهل السنَّة ، شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي ، وقد قال عنه : " فوجدته كتاباً يتعلق بالعقيدة اشتمل على فوائد تشد لها الرحال ، ضمنه التنبيه على ما زلق فيه بعض العصريين فجزاه الله خيراً ، والأخ الشيخ سعود بن صالح من أبرز الدعاة إلى الله يدعو إلى الله على بصيرة يحب السنَّة وأهلها ويحارب البدعة وأهلها قوي في العقيدة قولاً وعملاً ويجل علماء التوحيد ميتهم وحيهم ومحب للعلم النافع وحريص على التزود منه ويبغض الحزبية وينفِّر عنها من أجل هذا كله فقد أحببناه في الله فجزاه الله خيراً ونفع به الإسلام والمسلمين إنه جواد كريم."
كما قدم له شيخنا الدكتور وصي الله عباس المدرس بالحرم المكي والأستاذ بجامعة أم القرى وقال عنه : " فوجدته قد جمع من النصوص الثابتة من الكتاب والسنَّة وأقوال الأئمة ما تكفي لإثبات المذهب الحق والرد على الآراء الباطلة فجزاه الله خيراً , ووفقه لمزيد من البحث المفيد." أ.هـ
و لقد كان القوم يقولون " إن الإيمان ينقص حتى يبقى منه ذرة " ، وهذا هو ملخص عقيدتهم في الإيمان وما يضاده حتى قال مُقدَمهم : " إن الشهادتين تنجي صاحبها من الخلود في النار بدون عمل الجوارح ولو ترك جميع الواجبات واقترف جميع المحرمات عدا الشرك الأكبر".
وقد نشر بعضهم ذلك في مذكِّرة لهم بينوا فيها عقيدتهم ، ثم تحقق بعض ما أردنا بعد أن أوقفناهم على كلام شيخنا الإمام ناصر الدين الألباني حيث قال " إن الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء " و بعد أن تكلمنا مع بعض من عرضوا عليه نشرتهم تلك.
ثم قاموا بتعديل تلك العبارة والحمد لله على الوجه الصحيح، كتبوا ذلك في نشرة لهم قاموا بنشرها وتوزيعها، ثم عادوا للأسف إلى إثباتها مرة أخرى في كتب مطبوعة ككتاب "التنبئة" و قبله كتاب الإحكام وضبط الضوابط وقريبا صرح شيخهم الكبير بهذه العقيدة بعد أن كان متوقفاً عن إظهارها، تجد تفصيل ذلك في كتابنا "المرجئة والسيف" ، وقد بلغنا أن دعوتهم بين الأعاجم تقوم على هذه العقيدة الباطلة ، فهم يقنعون الأعجمي أن ينطق بالشهادتين حتى ينجو من الخلود في النار !! ، وله بعد ذلك ، أن يفعل ما شاء ، عدا الشرك الأكبر .
وبعضهم يحتج بما جاء في الصحيحين: عن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ *
ولكن أبا طالب كان أفقه من هؤلاء بمعنى لا إله إلا الله ، فهو لم يقلها لأنه عرف معناها ومقتضاها .
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد في مسائل الباب بعد أن ذكر حديث أبي سعيد السابق: " الثالثة : وهي المسألة الكبيرة ، تفسير قوله : ( قل لا إله إلا لله ) بخلاف ما عليه من يدعي العلم " .
وقال في كشف الشبهات : " والكفار الجهَّال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة ، هو إفراد الله بالتعلق ، والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم :قولوا لا إله إلا الله ؛ قالوا : {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ] (5) سورة ص [، فإذا عرفت أن جهَّال الكفار يعرفون ذلك ، فالعجب ممن يدعي الإسلام ،وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهَّال الكفار " .
وقد بينت في الأصل آخر اعتقادات وتلبيسات هذه الطائفة في باب الإيمان وما يضاده ، ولا بأس أن أذكر هنا أهم أصولهم ، ولا يفوتني أن أنبه إلى أن بعض علمائنا ومشايخنا الأفاضل ، ينسبهم المخالفون لهم ظلما ً وزوراً إلى هذا التيار ، بل إن كاتب هذه السطور لم يسلم من هذه النسبة ، وهذا من أهم الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة عن هذه الطائفة حتى يعلم القاريء حقيقة الأمر .
فهذه الطائفة نشأت كردة فعل للسروية ، لكن لا الإسلام نصروا ولا السرورية كسروا فقد كانوا يقولون عن بعض رموز السرورية ، هم من أهل السنَّة ، وقد كانوا يرسلون أتباعهم إلى الإمام الألباني ليستخرجوا منه فتوى في السرورية فكانوا يقولون للشيخ الألباني ، هم معنا في العقيدة لكنهم يخالفوننا في المنهج فقال الشيخ رحمه الله ، إذاً هذا اختلاف في الأسلوب لا يوجب هذه النفرة ، حتى دلسوا على الشيخ فظن أن الأمر كما وصفوا أنهم معنا في العقيدة ، حتى إذا أفتى فيهم اعتماداً على وصفهم لم يرضوا بفتواه وطعنوا فيه ، فالعجب من قوم يعادون أهل السنة بلا هوادة ثم يدّعون أنهم يمثلون الدعوة السلفية الحقَّة .
وهذه الطائفة وافقت الأحزاب الأخرى في بعض الأصول وزادت عليهم في أخرى ، فهم من جهة التنظيم جمعوا بين التنظيم الهرمي والتنظيم العنقودي . فكما هو معلوم أن الإخوان المسلمين يعتمدون التنظيم الهرمي بينما السروريون يعتمدون التنظيم العنقودي ، لكن هؤلاء أخذوا من التنظيم الهرمي القمة فقط فهم يدينون بالطاعة والاتّباع لشيخهم الأكبر ولا تجد أحداً ينوب عنه ممن هو دونه كما عند أصحاب التنظيم الهرمي بينما أخذوا من أصحاب التنظيم العنقودي العمل الجماعي وفق أهداف معينة .
ومن جهة الاعتداد بالنفس ليسوا كالإخوان المسلمين الذين يرون أنهم جماعة من الجماعات العاملة وليسوا كالسرورية الذين يرون أنهم الطائفة المنصورة وباقي الجماعات في دائرة الفرقة الناجية ويفرقون بينهما ، أما المناهجة هؤلاء فهم يرون أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ولا يفرقون بينهما.
وقد وافقوا باقي الأحزاب في الطعن في كبار العلماء ، خاصة إذا احتج من يعاديهم أو ينشق عنهم من أفرادهم بأقوال هؤلاء العلماء .
فمن أصول هذه الطائفة وسماتها الخاصة بها :
- التفريق بين العقيدة والمنهج :
والهدف من ذلك تسهيل الطعن في مخالفيهم من أهل السنَّة والجماعة بحجَّة أنه وإن كانت عقيدته سليمة إلا أن منهجه فيه خلل . لذلك تجدهم يكثرون من القول " كيف منهجه " عندما يريدون أن يستفسروا عن أحد من الدعاة ليعرفوا هل هو من جماعتهم أم من الجماعات الأخرى . وتزداد عجباً إذا عرفت أن الميزان عندهم في هذه المسألة هو "مدى حبه أو بغضه لكبيرهم ". وممن أنكر عليهم في هذه المسألة خاصة ، شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله ، ففي الفتاوى المكيَّة ذكر رحمه الله أنه دخل المكتبة – بدار الحديث بدمَّاج - ذات يوم فوجدهم قد علقوا لافتة وكتبوا عليها " كتب المنهج " قال فنزعتها وقلت منهجنا الكتاب والسنة ، قال وكان يأتيني بعض الطلاب فيقول نريد درساً يا أبا عبد الرحمن في المنهج فكان يقول رحمه الله ما عندنا غير هذا - الكتاب والسنة - وكان يقول لهم ما نقرأه عليكم من صحيح البخاري ومسلم وغيرهما هو المنهج .
- عندهم غلو وخلل واضح في مسائل الهجر و الولاء والبراء ويعتمدون في ذلك على ما يسمى بالإرهاب الفكري ، فإذا قرروا قولاً في مسألة ما ، فالويل لمن يخالفهم ولو كان معه الدليل بل ولو كان من كبار العلماء ، فكم تسببوا في كتم الحق وكم غرروا أتباعهم فالله المستعان ، وهم دون باقي الأحزاب غير مأموني الصحبة ، فبمجرد أن تخالفه في مسالة محتملة تجده فجأة وبدون مقدمات يتخذك عدواً لدوداً ، وتزداد عجباً إذا علمت أن بعضهم لا يفعل ذلك غيرة على الدين وإنما يفعل ذلك خشية أن يهجر من طائفته ، فنسأل الله العافية .
- عندهم غلو في مسألة الولاة عموماً فهم يفسرون الجماعة في حديث عليكم بالجماعة بأنها " الحكومة " !! هكذا ، ولو فسروها بما فسرها به السلف لضمنوا القول بطاعة الوالي المسلم لأن هذه هي عقيدة السلف وقد نصوا في كتبهم على هذا فقالوا " والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين ، برهم وفاجرهم ، إلى قيام الساعة ، لايبطلهما شيء ولاينقضهما " . قال شيخ الإسلام وهو يتكلم عن وجوب طاعة الولاة كما في مجموع الفتاوى (28/508) " بل يطيعهم فى طاعة الله ولا يطيعهم فى معصية الله إذ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا وهى واجبة على كل مكلف وهى متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشىء عن قلة العلم وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وأن لم يكونوا أبراراً "
- هم على عقيدة المرجئة في مسائل الإيمان والكفر وقد أنكر عليهم في ذلك كبار العلماء ، ومن أكبر الشواهد على أنهم تشربوا هذه العقيدة أن كثيراً من كبارهم لم يتعرض إلى الانكار على المخالف لهم في هذه المسألة في آخر فتنة وقعت في صفوف هذه الطائفة مع علمهم أنه حامل راية الإرجاء في هذا العصر ، وعلى كل حال فهم عندهم ضعف واضح في العقيدة وليس لهم مصنفات في هذا الباب وإذا تكلم أحدهم أو كتب في هذا الباب فكلامه مجرد عمومات مما قد اتفق عليه أهل السنة . وكثير منهم لا يفقه التوحيد فضلاً عن باقي أبواب العلم ، وكتاب التوحيد المعتمد عندهم في بعض النواحي قد قرر فيه صاحبه عقيدة المرجئة وقد رددت عليه في " اجتماع الأئمة على نصرة مذهب أهل السنة " .
- وافقوا الأحزاب الأخرى في طريقتهم وشعارهم الذي يسيرون عليه " كتِّـل ثم علِّم " فأصبح عندهم جمع الشباب والحفاظ على عدم تفرقهم مقدم على كثير من مسائل العقيدة ، فكان عقاب الله لهم أن فرقهم وشتتهم وكشف عوارهم .
- لجوؤهم إلى التصنيف بغير دليل لكل من خالفهم فمن رد عليهم ولم يرد على السرورين يسمونه " إخواني أو سروري " ومن رد عليهم وعلى السرورين يسمونه " حدادي " والسلفي هو الذي يمدحهم ويبجل شيخهم .
- عدم تبديع المعين ، وهذا خلاف المشهور عنهم والسبب في ذلك تفريقهم بين العقيدة والمنهج فالمخالف لهم لا يتجرأون على تبديعه لأنهم يرون أنه يوافقهم في العقيدة ، وما هذا إلا بسبب جهلهم بالعقيدة ، لذلك تجدهم يصفون المخالف لهم بكل أوصاف قبيحة مثل خبيث دسيسة كذاب أشر صاحب فتنة .... وغير ذلك ، لكن لا يمكن أن يصفوه على الملأ بأنه مبتدع وربما يتفوهون بهذا في مجالسهم الخاصة ، ومن الأسباب أيضاً أنهم يخافون أن يتهموا من خصومهم بأنهم حدادية .
- ينطلقون من مبدأ الوصاية على الدين ، ويعتبرون الكلام في رموزهم طعن في السلفية ، ورحم الله شيخنا ناصر الدين كان عندما يقال له ياشيخ يقولون عنك : كذا وكذا ، كان يقول : ما لنا ولهم .
- مصدر قوتهم أخطاء الآخرين ، فإذا وقعوا على خطأ لأحد المخالفين لهم شهروا به ، وأخرجوه من السلفية ، وإلا فإن كبارهم ليس لهم جهد يذكر في باب التصفية والتربية إلا ما ندر ، وليس لهم برنامج علمي يفيد الأمة بل هم يقتاتون على انتقاد كتابات الآخرين وفقاً لما يعتقدونه ، بل أن كثيراً منهم لم يُعرفوا إلا بعد أن ردوا على بعض المشهورين فاتخذوا الآخرين مطية للشهرة .
- ينطلقون من مبدأ المؤامرة على السلفية فقد صرح كبارهم بأن فتوى هيئة كبار العلماء فيهم يراد بها الطعن في السلفية ، ومن غرائب الأمثلة أنه لما عُرض على كبيرهم كتابي " إغاثة الطالب لنيل أعلى المطالب " طلب تغيير العنوان ، قال : لأن فيه مدخل للصوفية يحتجون به على السلفيين .
وعلى كل حال فإن الذي شجعني على كشف حقيقة هذا الحزب الجديد أنني وجدت أن كثيراً من طلبة العلم مال إلى الخوارج بعد أن أصبح يميز الحق عنده بمخالفة هؤلاء القوم له ، بل أصبح بعضهم يعمم هذا الحكم على جميع السلفيين ، فتمييزاً لأهل الحق، ولأن هؤلاء القوم أصبحوا يكتمون الحق عن أتباعهم بحجة أن القائل مخالف لهم في المنهج ، أقدمت على هذه الخطوة ، والله المستعان .
● وما إن تخلصت الأمة من هذه البدعة الشنيعة حتى ظهرت بوادر عقيدة الخوارج ، وإن كانت عقيدة الخوارج هي الأسبق دائماً حتى من الناحية التاريخية ، إلا إننا في هذا العصر نجد التناوب بين هاتين العقيدتين ، فما أن تنطفيء نار إحداهما حتى تشتعل نار الأخرى ، وأهل السنَّة لهما بالمرصاد ، والخوف والعياذ بالله أن نفاجأ بعقيدة الكرامية بعد القضاء على عقيدة الخوارج.
ولقد ادعى بعضهم أن الخوارج لم يظهروا في عهد عمر بن عبد العزيز بسبب عدله ، وهم لهم قصد من وراء هذه المقولة ، وهذا قول باطل لأن بذرتهم وأول قرن منهم خرج في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يزالون يخرجون في كل عصر حتى في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 3/240 ) " طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به " وقال أيضاً في مجموع الفتاوى ( 11/685 ) : " و الخوارج لما أرسل اليهم ابن عباس فناظرهم ورجع منهم نصفهم أو نحوه وتابوا وتاب منهم آخرون على يد عمر بن عبد العزيز " .
وفي مصنف ابن أبي شيبة (7/557) من طريق الحسن عن أبيه قال " أشهد أن كتاب عمر بن عبد العزيز قرئ علينا : إن سفكوا الدم الحرام وقطعوا السبيل فتبرأ في كتابه من الحرورية وأمر بقتالهم " .
وفي السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (2/642) بإسناد صحيح عن عون بن عبد الله " أن عمر بن عبد العزيز أخرجه إلى الخوارج فكلمهم " .
و الخوارج كنا نسمع عنهم في بعض البلاد المجاورة ، حتى ادعى بعضهم ، أن ظهورهم كان نتيجة الكبت والبطش والظلم ، والسجن والتعذيب فإذا بنا نفاجأ بظهورهم في بلادنا بدون تلك العوامل المزعومة فما السر في ظهورهم ، هذا ما سنبينه فيما يأتي.
أسباب ظهور الخوارج في بلاد التوحيد :
● إن المتأمل في حال كثير من الدعوات في هذا العصر ممن يدعي الانتساب إلى مذهب أهل السنة والجماعة من صوفية ومرجئة وخوارج يلاحظ ، أنه قد تفرقت بأصحابها الأهواء ، والأسباب وراء ذلك كثيرة فمن ذلك تصدر الرويبضة .
ففي مسند الإمام أحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ *
ومن الأسباب قلة العلم وكثرة الجهل حتى أصبح العلم يطلب عند الأصاغر .
والأصاغر كما قال عبد الله بن المبارك هم أهل البدع .
وفي الصحيحين : عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا *
وما تعانيه الأمَّة في هذه الأيام من انتشار جماعات التكفير ، إلا نتيجة للجهل والتصدر قبل النضج في العلم و العقل أيضاً.
كما قال الشاعر :
إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في سيرها الخلل .
● لقد كنا بالأمس ننكر على أصحاب ( المناهج الجديدة ) ممن نجدهم في باب الأسماء والصفات قد وافقوا السلف فلم يُعملوا عقولهم في آيات وأحاديث الأسماء والصفات كما فعلت الجهمية مثلاً ، بل قالوا نُمرَّها كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل ، وليسعنا في ذلك ما وسع السلف ، يقولون لأننا نعلم إن السلف أرسخ منا علماً ولو كان إعمال العقل في هذا الباب فيه خير لكان السلف أسبق منا إلى ذلك .
ثم تراهم في باب آخر مثل باب الدعوة والتربية والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يلتفتون إلى القاعدة السابقة التي تقول لو أن في الأمر خيراً لكان السلف أسبق منا إلى ذلك بل تجدهم يقدمون العقل تحت ستار ما يسمونه بفهم معتدل للنصوص يتناسب مع الزمان والحال ولا يتعارض مع مقاصد الدين ومنهج السلف زعموا ، وبعضهم بلغ به الهوى أن تجرأ فنادى بسلفية العقيدة وعصرية المواجهة !!.
ولا ندري من أين لهم هذا التفريق بين أمر من أمور الدين يلتزمون فيه بفهم السلف وأمر آخر يقدمون فيه فهمهم على فهم السلف .
فمن المعلوم أن الكل دين ، وما التفريق بين أمر وآخر من أمور الدين بغير ما أنزل الله إلا دأب بني إسرائيل الذين قال الله فيهم { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ](85) سورة البقرة [.
والعجيب أن كثيراً ممن هم على هذه المناهج الجديدة يظنون أنهم على منهج السلف بل يدّعون أحيانا !! أنهم سلفيون .
والذي ندين الله به أننا ملزمون بإتباع سبيل السلف الصالح في كل أمور الدين لا فرق بين أمر وآخر وإن هذا المنهج من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح أهل الأثر وأهل الحديث وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة .
● ويخطيء من يصف بعض من حادوا عن هذا المنهج السلفي - الذي سار عليه أئمة العصر - أنهم سلفيون في باب الاعتقاد وإنما طرأ عليهم الخلل في باب الدعوة وأسلوب الدعوة و سيأتي بيان ذلك .